فروقات ثقافية

738

د.كريم شغيدل/

مصادفة غريبة أن أكون بلا (دفتر نفوس) أو (جنسية) كما تسمى قبل أن تصبح هوية أحوال مدنية، ما اضطرني لإكمال دراستي الابتدائية بمدرسة (العوينة المسائية)، بين مختلف الأجيال والأعمار، قليلون من هم بعمري، غالبيتهم عمال في محال شارع الرشيد ومعامله، حرفيون من باب الشيخ، وتجار، مسلمون ومسيحيون وصابئة وكورد، الهدف الأساس هو تعلم القراءة والكتابة، معظمهم ممن هاجروا مع أهاليهم من الجنوب ولم يحظوا بفرص التعليم، واندمجوا في مجتمع المدينة، بعدما خلعوا الدشاديش واليشاميغ وارتدوا البدلات السموكن والقمصان البيض بياقاتها المنشاة والأربطة الحريرية، البعض منهم بدأ حياته ببسطة لبيع الألبسة أو الحاجيات الأخرى، أو بعربات في باب الشيخ والباب الشرقي، ثم أصبحوا تجاراً لهم محالهم، وبمثل هذه المستويات لا يمكن أن يظلوا أميين.
نريد القول بأن الريفيين في الهجرات الأولى التي سبقت السبعينات، وجدوا مجتمعاً مدنياً قوياً وقادراً على استيعابهم والتأثير بشخصياتهم، فراحوا يحاكون تطلعات ابن المدينة، على العكس من الهجرات التي تزامنت مع انهيار المجتمع المدني وتلاشي الطبقة الوسطى وسيادة القيم القبلية وهيمنة الطابع العسكرتاري لطبقة من الأقرباء، وذلك بعد انقلاب تموز 1968 وهيمنة البعث الصدامي على مقاليد الحكم، وخلال حرب الثماني سنوات مع الجارة إيران ترسخت العشائرية أكثر، لأسباب تعبوية معروفة، وفي التسعينات تفاقمت الحالة أكثر فأكثر، الأمر الذي جعل المد الريفي العشائري أقوى من كل مصدات المدنية، بل إن أجيالاً كانت متمدنة تراجعت القهقرى، فخلعت كل مظاهر المدينة لتعتمر أزياء القرية، وتسابق الشبان ليحلوا محل أجدادهم في رئاسة القبائل والعشائر والأفخاذ، في حين كان آباؤهم من جيل التمدن.
حملة محو الأمية التي بدأها النظام المقبور منتصف السبعينات، لم تؤدِ الغرض الحقيقي، كانت لها أهداف تعبوية معروفة، لكنها وضعت العراق في منظمة اليونسكو على رأس الدول التي قضت على الأمية، والدتي يرحمها الله وكل قريناتها انخرطن في الحملة، لكنهن لم يتعلمن فك الحروف، ولا كتابة أسمائهن المبجلة، لكن الدراسة المسائية التي انخرط فيها أبناء المهاجرين تخرج منها الكثير ليكملوا دراستهم الجامعية والعليا، أو تعلموا بما يمتلكون من رغبة حقيقية في التعلم، والفرق الثقافي كبير بين الحالتين، مثلما هو الفرق بين أستاذ (علي رحمه الله) معلمي الأول الذي أحيل على التقاعد بعدما أصبحت في الصف السادس الابتدائي، وبين بعض معلمي هذا الزمان، فرق في الهندام والكفاءة والسلوك الإنساني، معلم عجوز لكنه في كامل أناقته، تتبعه سحابة من عطر رقيق كابتسامته، ولا يتردد عن الترنم بتهجي (إق وإد قد.. شدة وأووو.. قدَّو.. إر إيريييي.. قدَّوري) حتى قام بعض منا بالتطبيل على الرحلات وهو فرح يتمايل معنا يميناً وشمالاً، الفرق ثقافي بين شباب الأمس الذين محوا أميتهم الأبجدية والثقافية والحضارية بالانخراط في مجتمع المدينة، وشباب اليوم الذين سحبوا المتعلمين لترييف المدينة، وفرق ثقافي كبير، بين أستاذ علي معلم المدنية، وبعض معلمي اليوم ممن يزجون التلاميذ في أنفاق الظلام.