في إحدى رياض الأطفال

46

جواد غلوم  /

كثيرا ما أسعى وحدي وأزور إحدى رياض الأطفال القريبة من بيتي لأجلب حفيدي حينما يتأخر أبواه في الدوام الرسمي وعند اشتداد الخناق المروري – وما أكثره عندنا – فأرى في باحة الروضة الواسعة التي يتعلّم فيها حفيدي الصغير معلمةً أمسكت شفتاها صفّارة منبّهة، وتعدّ لمباراة بين الاطفال دون سن الخامسة وتهيئ أربعة كراسي لخمسة أطفال في عملية تسابق ومباراة حالما يؤذن صفيرها بالتحرك وتحثهم للإسراع على استحواذ على الكراسي والجلوس عليها ليبقى أحدهم ربما الغافل او الكسول فيهم بلا كرسي ويكون مثار هزء وسخرية المعلّمة والصبية الصغار .
وفي المرحلة الثانية لسباق الاطفال تعود المعلمة لتقلل عدد الكراسي في جولة لاحقة ليخسر طفل آخر كرسيه وهكذا دواليك في مسابقة تجعلها رعناء تحبط عزائم الأطفال وتعلّمه أنانية الاستحواذ والسعي وراء غنيمته ومعاركة أقرانه من أجل إشباع رغبات الأنانية في دواخله إضافة الى إحياء حالة الإحباط للطفل الذي لم يظفر بكرسي في تلك المباراة الفجّة والأساليب التربوية السقيمة .
آلمني جدا اللوم والتقريع الذي صدر من المعلمة لهؤلاء الاطفال الذين لم يحظوا بكرسي وقد صبّت جام غضبها واتهمتهم بالكسل والخيبة والضعف وأنهم لابدّ أن يكونوا سبّاقين في الاستحواذ قبل أن يناله غيرهم فالحياة – وفق تقديرها – فرص لنيل المكاسب والامتيازات ولا ترحم خانعا ضعيفا .
ظللت أراقب المشهد بحسرة وغضب وتأسٍّ لحالة الجيل الجديد من الصغار المحبطين الذين بدؤوا يبكون بصراخٍ عالٍ وحالة الفائزين المنتفخين أنانيةً وكِـبَرا، وكأنّ الفرد الواحد من الفائزين يقول في دواخلهِ؛ لو أردتُ النجاح عليَّ أن أزيح زميلي وأدفعه بعيدا كي لا ينال ما أناله أنا.
شعرت بالأسى على الأطفال المتسابقين الذين فشلوا في اللعبة حتى نسيت أن أنوّه للمعلمة الإتيان بحفيدي لآخذه الى البيت .
هذه اللعبة التي أراها سمجة محبطة مع أنها موجودة في بقية أقطار العالم المتمدنة يلعبها أطفالهم ايضا لكنهم يحولونها منافسة شريفة، فما أن يخسر الطفل مقعده وتنتهي اللعبة حتى يصيح به أقرانه وينادونه للجلوس معهم حيث يفسحون له مكانا ولو تَضايقوا في جلساتهم، فلا مانع من أن يقتعد عشرة أطفال على تسعة كراسي يتراصّون مع بعض في مشهد يبعث على التوادّ والالتئام انطلاقا من قاعدة “لا نجاح الاّ بمساعدة الاخرين وفسح المجال لمن تعثّر أول الامر لينجح في المرة الثانية”.
أحسب أن الفوز والتألق لا يتحقق بلا عون او سند مجتمعي ضمن المحيط الذي نعيش به، فلا نجاح بدون دعم الاخرين وعلينا أن لا نمتثل لمقولة جان بول سارتر الشهيرة في كل الحالات باعتبار أن الآخرين هم الجحيم بل هم النعيم والحافز والدافع؛ فمثل هذه الثقافة الغيرية تراها في المجتمعات المتقدمة بكل مناحي الحياة، فاذا خسر الطفل في أول جولاته كرسيّا فان المجتمع سيخسر واحدا ربما سيكون مبدعا وعالما مخترعا وكم من العباقرة قرأنا عنهم أنهم كانوا يعيشون طفولة كسولة متوحّدة وقد تعثّروا في تعليمهم الأساسي.
ليس النجاح لذيذا اذا ظهر وبرز بإحباط الغير؛ ولكي نكون فائزبن علينا أن ننتشل ونرفع من شأن غيرنا قبل أن نرفع من شأننا؛ فلا فوز وارتقاء دون مساعدة الآخرين على تجاوز الفشل والعبور الى ضفة النجاح .
ليت المربين والمعلمين يدركون أن أطفالنا يرون مانقوم به من عمل وابتكار وسلوك سوي وتهذيب وتصرّف سليم وأخلاقي في الجانب التربوي كي يثير إعجاب أولادنا، فليس دائما أن يمتثل الطفل الى مانقوله بل الى ما نعمله أمامه من أفعال ايجابية تلفت الانظار إعجابا؛ وهذا العمل هو الذي يرسخ في أذهانهم، أما القول والنصح فكثيرا ما يتشتت كالضباب أمام الحقائق العملية الساطعة.