في هيئة التقاعد العامة

261

نرمين المفتي /

لولا مطالبة موظف في هيئة التقاعد العامة إياي بأوراق رسمية تُثبت أنني كنت موظفة على الملاك قبل ٢٠٠٣ لكانت معاملة تقاعدي انتهت في يومين.. قد تتعجبون! هناك من سيتعجب من مطالبتي بوثائق تضمن لي حقي والسبب أن إضبارتي كانت بين تلك التي حُرقت مع حرق الدوائر والمؤسسات الرسمية بعد ٩ نيسان ٢٠٠٣، وهذا الحريق لم يحول سنوات خدمتي الى رماد، بل كل عملي الصحفي، فلم أكن أحتفظ بأرشيف بكل ما نشرته في البيت، وأتى الحريق على المؤسسات التي كنت أعمل بها، على أية حال هذا ليس موضوعي الآن..وربما هناك من سيتعجب لأنني انتهيت من معاملة تقاعدي بهذه السرعة! أعترف بأنني التقيت بمحالين على التقاعد ما يزالون بلا هوية تقاعد ما يعني أنهم بلا رواتب، بعضهم منذ سنة وآخرون منذ أشهر، والسبب كما عرفت ليس في عمل الهيئة بل في دوائرهم الأصلية لأخطاء في أضابيرهم..شخصياً تأخرت معاملتي بين وزارة الثقافة وشبكة الإعلام العراقي وكنت كلما تضايقت لهذا التأخير، كان الجواب “ست تتأخر المعاملة الآن أفضل من الدوخة والتعب اللذين سيواجهانك في هيئة التقاعد في حال وجود أي خلل في إضبارتك”..والأوراق الرسمية التي سئلت عنها في الهيئة لم تكن بسبب خلل في إضبارتي انما للحذر فقط أو لزيادة التأكيد في حال مراجعة إضبارتي فيما بعد لأي سبب كان..
يقابل العاملون في الهيئة آلاف المراجعين يومياً منذ بداية الدوام حتى نهايته، ويجيبون على آلاف الأسئلة، وهناك من يصرخ وآخر مستاء وثالث يحاول أن ينصح المراجعين وهو ليس بمراجع، إنما نصيحته بدفع مبلغ لـ(معقب) من خارج الهيئة للانتهاء من معاملة التقاعد، ووسط كل هذا الذي يجري يومياً، يداوم العاملون دواماً كاملاً حتى مع إجراءات الوقاية من كورونا، أقصد لا يتمتعون بالدوام ليومين أو ثلاثة فقط، وعليهم أن يجيبوا على الأسئلة كافة، والمراجعون ليسوا موظفين محالين الى التقاعد فقط، بل عوائل الشهداء وضحايا الإرهاب وغيرهم، وعليهم أن يتحلوا بالصبر، ومراجع محال الى التقاعد وكان مفصولاً سياسياً، يناقش دون كلل أن يلغوا له المبلغ المطلوب منه دفعه إزاء سنوات الخدمة التي حُسبت له كي يستلم راتبه التقاعدي..يشرح له الموظف المسؤول أن الراتب التقاعدي نصفه من استقطاعات راتب الموظف والنصف الآخر من وزارة المالية وعليه أن يدفع، لكنه يكرر نقاشه ويطالب مرة اخرى بتقليص المبلغ المطلوب منه دفعه!
قطعا ليس كل العاملين في هذه الهيئة ملائكة، لكن الذين يصدقون (النصيحة) ويدفعون مبلغاً من المال لينهي (معقبٌ) ليس من الهيئة معاملته فالذنب ذنبهم، لاستعدادهم أن (يُحتال) عليهم..راقبت عمل الهيئة عبر معاملتي طوال أيام مراجعتي واكتشفت أن تأخر الرواتب ومكافآت نهاية الخدمة ليس بسبب الهيئة، لاسيما بعد إلقاء القبض على الذين كانوا يتلاعبون بالرواتب وغيرها من الجرائم، بل لأن الهيئة تنتظر التمويل من وزارة المالية سواء للذين على صندوق التقاعد أو الهيئة.. يبدو أن الفاسدين الذين أساؤوا الى الهيئة وعملها ذهبوا ولكن (السمعة) السيئة مستمرة ولابد من التعامل المباشر معها لنعرف أن هذه (السمعة) ستتحسن طالما استمر العمل، كما لمسته وساستمر أحلم أن تتحول أموال الاستقطاعات وغيرها الى مشاريع تفيد الهيئة والعاملين بها الذين ليست لديهم أية مخصصات وتصبح وارداً للدولة كما في إيران وتركيا وغيرهما..