قالوا في الإبداع

408

 عواد ناصر/

مثل كثير من المفاهيم والمصطلحات، وحتى المعاني التي نظن أنها اكتملت وأغلقت ملفاتها منذ زمن بعيد، تتعدد تفسيرات العلماء والفنانين والكتاب والشعراء بشأن تعريف الإبداع، وقد شغلت الفكرة الإبداعية الكثيرين منذ الأزل، منذ شق أول مهندس فطري ساقية الحقل أو أول متسلق للجبل من أكبر نقاط ضعفه، وأول من خطّ حرفاً وأراد له معنى مغايراً، أو أطلق صوتاً يحرسه من خطر وشيك أو يؤنسه في وحشة ليل الغابة.
علماء النفس هم الأوفر جهداً في تاريخ بحث الإبداع ودوافعه، برغم أنهم ،كثيراً، يستعينون بشهادات، مذكرات، اعترافات، يوميات المبدعين أنفسهم.

ولأن المعنيين بقضية الإبداع ومحاولة معرفة أسراره تساءلوا ويتساءلون مطولاً ويصفنون كثيراً لعلهم يدركون شيئاً منه.

ولأن أغلب المبدعين، الذين قرأنا لهم أو عنهم، يقدمون تعليقات لغوية على إبداعهم أو إبداع سواهم، إلا ما يخص كشف طريقة عملهم وكيفية انبثاق إبداعاتهم.

بل حتى المبدعون ،أنفسهم، يجهلون حقيقة الإبداع ومكوناته وأصوله ونشأته لديهم ولدى غيرهم، ومن ثم تحققه كنتائج نهائية.

ثمة جملة آراء لمتخصصين سيكولوجيين واعترافات فنانين حول الإبداع وتكوّنه وانبثاقاته وتحققاته الأخيرة أعمالا خالدة عبر التاريخ الإبداعي للبشرية.

يقول ي. و. سينوت: “إن تعددية أهداف الإنسان السلوكية، وكذلك التعقيد المتزايد لأنماطه النفسية تجعل حياته الذهنية غنية، مع العلم، بأنه يكتسب شيئاً آخر خلال مسيرته وتقدمه. إلا أن اكتساب القدرة على تكديس الخبرات وعلى المحاكمة المنطقية لم يكن كافياً لجعل الإنسان إنساناً بحق، بل كان لا بد من توفر صفة أخرى له هي: التخيل، تلك الموهبة العظيمة”.

فيما يقول بيتر إليتش تشايكوفسكي: “ليس ثمة من شك في أن أعظم عباقرة الموسيقى يعملون أحياناً من دون إلهام، فهذا الضيف العزيز لا يلبي الدعوة دائماً، لذا يجب أن نعمل دائماً، وعلى الفنان الذي يحترم نفسه أن لا يستسلم بحجة أن مزاجه غيرمناسب، ذلك أننا إذا كنا ننتظر المزاج دائماً، من دون أن نسعى إلى ملاقاته في منتصف الطريق فإننا سنغدو، بسهولة، كسالى وغير مبالين، كذلك علينا أن نكون صبورين وأن نعتقد بأن الإلهام يحل على أولئك الذين يمكنهم السيطرة على نفورهم من الشيء.. كنت أعمل يومياً، من دون إلهام حقيقي، ولو أنني استسلمت لنفوري، فإنني، ولا شك، كنت سأنخرط في حال من الكسل فترة طويلة من الزمن”.

اما س. ر. روجرز فيقول: “حين يسمح المعلم أو الأب أو الطبيب المعالج، أو أي شخص له دور مساعد، للفرد بالحرية الكاملة في التعبير الرمزي، يتم التشجيع على الإبداع. هكذا، يلقي كل واحد، محللاً نفسياً أو فناناً، الضوء على جانب من جوانب العملية الإبداعية، فلا يصار إلى تعريف جامع مانع، إذ يؤكد هذا الطابع المعقد، والعميق الغور، في النفس المبدعة، وعدم التوصل إلى قرار حاسم بشأنه صيرورتها وسيرورتها.. مبعثها ومستويات تحققها، ولو عُرف سرُّ الإبداع، لصرنا، كلُّنا، مبدعين!