قرية الكتب

279

عبد الله صخي/

تتطلع قرية البوناهض، شمالي الديوانية، إلى الضوء في عتمة المدن، إلى رؤية عصرية للحياة في مسار قل نظيره، بل يكاد ينعدم، مسار يميزها عن باقي القرى في محاكاته لمظاهر المدينة الحديثة، ويثير الدهشة والإعجاب. فبعد قرارات منع التدخين والمشروبات الغازية، والابتعاد عن الحديث في الدين والسياسة، وحظر استخدام منبّه السيارة أسست القرية مركزاً ثقافياً يتضمن أقساماً للنحاتين والرسامين والخطاطين وركناً للإبداعات والاختراعات التي يهتم بها أبناؤها، وخصصت يومين في الأسبوع للنساء فقط. كما سيّرت مكتبة متنقلة توزع الكتب على المواطنين الراغبين في القراءة باستخدام سيارة قديمة أو عربة «ستوتة» في مسعى مبهر لنشر الوعي الثقافي بين أبناء القرية. أما آخر إنجازات الشباب المسؤولين عن هذا المسار الاستثنائي فهو إقامة نصب للكتاب في التفاتة نادرة لم تخطر ببال مؤسسات ثقافية مختصة، لكنها خطرت في بال المخلصين من أبناء هذه القرية، وأخص بالذكر صاحب تلك الأفكار النيرة الشاعر والمهندس كاظم جبر. يقول في أحد التقارير الصحفية إنه صاحب المبادرة في جعل قريته قرية عصرية، وقد وجد ترحيباً من الأهالي الذين شاركوه أفكاره ودعموها للحد الذي أقاموا فيه ماراثوناً لأول مرة ومسابقة للدراجات الهوائية. وعن النصب يعلق قائلاً: «إنه يرمز لأهمية الكتاب ودوره في التقدم الفكري والاجتماعي». يمثل النصب مفكراً يفتح كتاباً وإلى جواره عامل وفلّاحة. وقد حضر حفل إزاحة الستار العشرات من الكتاب والشعراء من ملتقى رضا علوان وشارع المتنبي في بغداد، ومن مثقفي مدينة الحلة. إنها دعوة لتفعيل الاهتمام بالكتاب بوصفه «إنسانية مطبوعة» كما تقول المربيّة باربرا توكهام. هذا الجهد الثقافي الذي يبذله جبر مع زملائه الجنود المجهولين يتصل بفكرة المكتبة السيارة، ويلتقي مع فكرة عالم النفس الأميركي برهس سكينر الذي يقول: «ينبغي ألا نُدرِّس الكتب العظيمة، بل علينا أن نُعلِّم حب القراءة». ما تقوم به قرية البوناهض عمل جدير بالثناء والاهتمام من قبل المكتبات العامة والخاصة في المدن ومن المؤسسات الثقافية عن طريق رفد مكتبة القرية بالمطبوعات القديمة والجديدة وتقديم الدعم والإسناد لتلك المشاريع التنويرية التي تجعل من القرية مثالاً مبدعاً ينافس المدن والحواضر التي اكتفت بنفسها وتراجع دورها، ولم تعد فعالة نشطة كما كانت من قبل.