قطار معلَّق

28

د. حسن عبد راضي /

لا أجد ما أصف به إحساسي وأنا أقرأ مسوّدة قانون موازنة العراق الاتحادية لعام 2021، لكنني ابتداءً أهنئ من كتبوها على قدرتهم على ارتكاب هذا العدد من الأخطاء النحوية والإملائية في وثيقة رسمية بالغة الأهمية كالموازنة الاتحادية. وأثني بالقول إنها وثيقة شبه سوريالية، ويمكن اعتمادها في اختبارات السلامة العقلية، فمن ذا الذي يطلع عليها ولا تظهر عليه علامات الجنون والخبال، وقد تسألون: لماذا؟
تعالوا أحدثكم عن موازنة بلد غني جداً لم يترك أحداً إلا اقترض منه، تخيل معي عزيزي القارئ مليارديراً ينزل من سيارته الليموزين بكامل أناقته ويطلب منك أن تقرضه ألف دينار ليشتري سندويتشة فلافل! أو مالك كبريات شركات النفط مثلاً يطلب أن تعطيه سيجارة.. الأمر في غاية الغرابة والعبث.
تستغرق القروض ما يقارب تسع صفحات من الوثيقة، وقد خصصت لأغراض سبق أن خصصت لها عشرات المليارات من غير أن يتحقق فيها أي تقدم، كالكهرباء مثلاً التي ابتلعت حتى الآن ما يزيد على 50 مليار دولار، وما تزال أسوأ من كهرباء الصومال، ولا أريد أن أخوض في مزيد من التفاصيل عن القروض والأغراض التي خصصت لها، غير أن ما لفت انتباهي هو قرض وكالتَي ضمان الصادرات الفرنسية والكورية البالغة قيمته مليارين ونصف المليار دولار المخصص لمشروع “القطار المعلّق”.. هل سمعتم أحبائي ما قلت؟ قطار معلّق! يا للسعادة!
حسناً، وما الغريب في الأمر؟ قد يسأل سائل، فأجيب متوكلاً على الله:
الغريب يا سيدي هو أننا بلد فشلت حكومته في تعبيد أي طريق عادي من طرق الله، وها هي شوارعنا تئن من الحفر والمطبات ولا من مُسعفٍ أو مجيب، كما أننا فشلنا إلى الآن في إعادة تسيير حافلات النقل العادية في الشوارع على وفق خطوطها القديمة، وأصبحت الحافلات ملكاً للسائق ومن معه يسيِّرونها على هواهم، وأننا لا نملك قطاراً عادياً كما لدى الناس من حولنا، وحينما استقدمنا واحداً من الصين صار الناس يرجمونه بالحجارة في كل ذهاب وإياب، أما سككه فهي خارج الخدمة منذ عقود، لكنها تعاند نفسها كمسنٍّ يزعم أنه قادر على الزواج.
وقد كان ينبغي لنا أن نتدرج في استقدام وسائل النقل الحديثة، فنأتي بـ(الترام) أولاً أو ما يسمى بقطار الشوارع، ونتعلم ثقافة المحطات واحترامها، لا أن نحولها إلى (مباول) عامة مجانية كما هو حال محطات الباص.
أين هي البنية التحتية لهذا القطار؟ وأين ستعلق محطاته؟ وتعالوا نتذكر أن مشروع مترو بغداد الذي انطلق منذ أكثر من 40 عاماً ما يزال حبراً على ورق، وقد ابتلع هو أيضاً مليارات الدولارات بغير طائل، فهل سنحظى بقطارنا المعلّق بعد أن يكون الناس قد هجروا هذه الوسيلة؟ وهل سيظل مستقبلنا معلقاً ومجهولاً إلى أجل غير مسمى؟