كلام في الزواج

448

حسن العاني/

ربما بخلاف الأمم، نتميز نحن –فصيلة العرب- بنوع من الكرم المفرط، حتى لنؤثر الجار والمحتاج على أنفسنا ولو كانت بنا خصاصة، ولعل زعماءنا هم المثل الأعلى في ذلك، هل نسينا موقف صدام حسين مثلاً يوم أراد تقديم ملايين الدولارات لمساعدة زنوج أميركا الفقراء، في وقت كنا نتقاضى فيه راتباً شهرياً قدره (4) آلاف دينار، وسعر كيلو اللحم (6) آلاف دينار، وبلغت هذه الظاهرة عند بعضنا مبلغاً سريالياً، فهو لا يتوانى عن تكريم ضيفه بأن يقدم له ابنته أو شقيقته هدية لتكون له زوجة، حتى لو كانت على ذمته أربع زوجات، أو كان مضرباً عن الزواج!!

الغريب أن تطور الحياة أدى الى مراجعة النفس والموقف من المرأة، بدأنا نقدرها ونكرمها وندعو الى مساواتنا بها، وبلغ الاعتزاز عندنا حداً عبر الحدود من غير تأشيرة ولا جواز سفر، بحيث أصبحت هي الكائن المدلل الذي لا يُردُّ له طلب ولا يعصى له أمر، وكأننا نكفّرُ عن خطيئة قديمة ورثنا وزرها، يوم كان أجدادنا القدامى يدفنون الرضيعات وهنّ على قيد الحياة.. وأياً كان الأمر فإن ذلك النفر القليل من عرب الجاهلية، الذي كان يمارس عادة الوأد لأسباب تتناغم مع عقلية المرحلة، قد ثاب الى رشده، وبكى واسترحم واستغفر ربه وانتهى كل شيء، ثم.. نالت المرأة من الحقوق ما يفوق واجباتها!!

الأمر الأكيد أن عصرنا الحالي هو نتاج سلسلة طويلة من التطورات المتواصلة التي قادت الى تغيرات جوهرية في خرائط السياسة والجغرافية والمجتمع والاقتصاد والنفوس وكل شيء، باستثناء قضية واحدة وقفت خارج التبدلات والاهتزازات، ألا وهي قضية المرأة، والتمادي في تدليلها، وكأن التكفير عن ذنب الوأد، صار بعضاً من التركيبة البايولوجية للدم العربي!! وليس أدلُّ على هذه الحقيقة، من أن العرب من (المحيط الهادر الى الخليج الثائر)، لا يزوجون بناتهم، ولا يتسامحون في إخراجهن من بيت الأهل الى بيت الزوجية، الا بعد ان يقيموا الدنيا ولا يقعدونها، وقد نشأت عن هذا الاعتزاز العظيم مدرستان تختلفان في الأسلوب وتتفقان في الجوهر، الأولى موطنها العراق وتقوم على تحميل الشاب المتقدم للزواج، وتحميل أسرته، ما يقصم ظهر الجبل قبل الجمل.. والثانية موطنها مصر، وتقوم على كسر ظهر العروس وظهر أسرتها، لذا كثُر العرسان في مصر وشحت العرائس، بينما شحّ العرسان في العراق وكثُرت العرائس!!

لو قدّر لمنظري وقادة هاتين المدرستين، أن يجتمعوا على هامش أية قمة عربية من قمم الشجب والاستنكار، ليدمجوا أفكار المدرستين في فكر واحد، ويتوحدوا كما توحدوا في توريث أبنائهم السلطة من بعدهم لكي لا يبتعد العرش عن ممتلكات “العائلة”، لما تسكّع ملايين الشباب (من الشام لبغداد، ومن نجد الى يمن، الى مصر فتطوان)، امام ثانويات البنات وجامعة عين شمس وجامعة بغداد، ولما سهرت بناتنا سراً تحت اللحاف مع الفيسبوك وهمسات الانترنت، ولما انضمّ الى العوانس كل عام فوجٌ جديد من الانتظارات الخائبة والآمال الذبيحة، ولما أصبحنا نمتلك أكبر إسطول في العالم من العازبين والعازبات و”العانسين والعانسات”، ثم لا يهتز لنا ضمير أو شارب.

غفر الله لمن ارتكب خطيئة الوأد، سواء عن جهل أم قلّة حيلة أم ضيق يد أم خوف من غزوة أو أسر، ولكن كيف سيغفر الله خطايانا في عصر الحضارة والألفية الثالثة، ونحن نمارس الوأد ضد رجال ونساء شبوا عن الطوق، واكتملت أجسادهم بماء الحياة، وهم يدفنون أمام عيوننا أحلى احلامهم.. وأغلى أمنيات العمر؟!