كلمة أولى

451

رئيس التحرير/

أول معرفتي بأن الطماطة يمكن أن تقشر، مثل الخيار وغيره من الخضراوات، كانت على يد المخرج السينمائي المعروف الصديق قاسم حول. كنت في منزله في بيروت قادماً من دمشق، فقال لي: اليوم ستأكل طبخة باميا عراقية خالصة. ثم بدأ بالتحضير وراح يقشر الطماطة، فقلت له وهل تقشر الطماطة؟ قال نعم مع الباميا خاصة.

تناولنا الوجبة وكانت لذيذة بالفعل لكني كنت مهموماً فلم استمتع بها، لأن ما جاء بي من سوريا الى لبنان، وكان ذلك في منتصف العام 1987 قصة سخيفة وطريفة في الوقت ذاته، فقد وصلتني برقية من شقيقي عبود، الذي لم أره منذ سنوات، بعد فرارنا بجلودنا من العراق، تقول نصاً (لقد وصلت لبنان وأرجو أن أراك) قلبت البرقية وجهاً وقفا ودققت فيها فلم أجد عنواناً، فأين ياعبود سأجدك في لبنان؟

استدنت مبلغاً من المال وسافرت الى بيروت على الفور، تحدوني رغبة عارمة في لقاء أخي بعد سنوات الفراق الطويلة تلك، وكنت أمني نفسي بأن أخي يمكن أن يكون قد عثر على صديق مشترك موجود في بيروت فقال له أكتب هذه العبارة فقط وسيأتي جمعة وتلتقيه.

وصلت بيروت ورحت اسأل الأصدقاء هناك هل رأيتم أخي عبود؟ هل صادفتم عراقياً جاء من بغداد هذه الأيام؟ لا أحد يعلم شيئاً ولا أحد يعرف عبود أصلاً، درت في شوارع الفاكهاني والحمرا طولاً وعرضاً، ذهاباً وإياباً، حتى مللت وتعبت من التحديق بوجوه المارة، فانتشلي قاسم حول وجاء بي الى منزله مدعواً على طبخة الباميا.

اتصل قاسم بصديق ودعاه على الغداء فجاء تحسين العالم (هكذا كنا نسميه لاهتماماته العلمية) شرحنا له قصة عبود بالتفصيل، فسأل عما إذا كان قاسم يعرف أحداً في دائرة بريد بيروت، فقال له قاسم نعم أعرف موظفاً، فأخذ تحسين مني البرقية العجيبة وطلب من قاسم الاتصال بالموظف. وخلال دقائق عرفناً عنوان الفندق الذي ينزل فيه عبود، فقد كان مسجلا في أصل البرقية وليس في الحقل الذي تكتب به العبارات المراد إرسالها.

صاح تحسين: “لقد وجدتها” هيا بنا الى فندق (يامرحبا في الروشة).. اتصل قاسم بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي كان يعمل فيها فأرسلوا لنا سيارة شبه عسكرية، لأن المنطقة التي يقع فيها الفندق خطرة أمنياً.

بسرعة البرق وصلنا الفندق. دخلت الصالة وتوجهت الى الإستعلامات، وأنا مسرور لهذه النهاية السعيدة، التي تشبه نهايات الأفلام المصرية، فسألتقي بأخي أخيراً واسمع منه أخبار الأهل والأصدقاء الذين فارقتهم منذ سنوات.

كررت الأسم على موظف الاستعلامات وهو يقلب في سجل النزلاء. صمت قليلاً ثم قال لي: آسف.. المسيو عبود غادر الفندق أمس صباحاً عائداً الى العراق.