كلمة أولى

369

رئيس التحرير/

سيدة المدن

العاشق لايستطيع أن يرى عيوب معشوقه، ونحن، أيضاً، أولاد بغداد المشاكسين واحبتها، على عيوننا غشاوة عشق، لذلك لانرى، أو بالأحرى لانريد أن نرى، هذا الخراب الذي يدمي قلوبنا يومياً ونحن نمر بشوارعها وأزقتها.

ليست بغداد هي التي فعلت هذا بنفسها أبداً، لقد جنى عليها الأوباش من كل صنف ولون وجنس، إذن هي معذورة ودينُها في رقاب الجميع، حتى نحن الذين نسمع أنينها، غالباً ما نصم آذاننا ونمضي كالسائرين في الأحلام إلى بيوتنا.

بغداد كانت صورة شبابنا، مسراتنا الأولى وطموحاتنا الملونة، اليوم لم تعد كذلك، اليوم تبدو بغدادنا بالأسود والأبيض، ألبوم قديم فقدت فيه الصور بريقها وعطرها وشذى أيامها.

لم يبق من بغداد سوى الأسماء والأغاني، تلك هي سلوتنا في محنتها، نتسلى بذكرياتنا عنها ونقلب أيامها الخوالي مثل صفحات كتاب قديم، فقد نأت بغداد عن حاضرها واندست في غياهب الماضي مثل فقرائها الذين يلوذون، آخر الليل، بدرابينها الوسخة وبناياتها المهدمة.

نعم ماضي بغداد يطاردنا ويقض مضاجعنا. فهذا أبو نواس، يقف مشدوهاً لايدري لماذا غادرته تلك العائلات الكريمة والأنيقة التي كانت تسهر معه حتى ساعة متأخرة من الليل، لماذا تحولت أرصفته إلى مرتع لحثالات يستبيحون ليله بالسكر والعربدة؟ من الذي حول شارعه الأليف إلى مكب لقناني الخمرة الفارغة وبقايا الطعام وحشود القطط والكلاب السائبة؟

هذا الرشيد، هو أيضاً، عومل كطرف في الحرب الطائفية فقتلوا فيه الروح مع سبق الإصرار.

كانت بغداد في تلك الأيام الخوالي سيدة المدن العربية، صاخبة تعج بالحياة المدنية، الثقافية والاجتماعية، كنا نحتار أين نقضي أمسياتنا، في نواديها العامرة، أم في سينماتها الأنيقة؟ في مسارحها وعروضها، أم في شوارعها وحدائقها ومقاهيها؟ كانت بغداد مفتوحة على الجمال والخضرة والعافية، مثل صبية في أول شبابها، مفتوحة على المسرات والأحلام والصبوات، تلك كانت بغداد في الماضي أما اليوم فهي مجرد ذكرى لا أكثر.

ولأن الحنين إلى الماضي دليل قاطع على بؤس الحاضر.. فلم يتبق لدينا اليوم سوى المراهنة على المستقبل بوصفه حامل الأمل بغد أفضل لنا ولها.