الجامعة وخطاب التنوير

1٬436

ياسين نصير/

كنت أمني نفسي أن أجد لدى بعض أكاديميينا تصورا حداثويا للفكر، فكل الأفكار التنويرية نشأت في الجامعات، وكل محددات المناهج والتيارات الفلسفية والنقدية زمنيًا قامت بها الجامعات، وشيء رائع ومبارك أن نجد نخبة من الشباب الأكاديميين يأخذون على عاتقهم مهمة فكرية عجزت عنها الاتحادات الثقافية ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب، وهي دعوة بعض المفكرين للقاء مع الطلبة والمعنيين في حقول أهتمامهم، ويرشدنا الكثير من الدراسات الفلسفية والنقدية أنها نشأت بناء على دعوة من جامعة أو مركز بحوث ثم تطورت إلى مشروع نقدي أو فلسفي، وهو ما يغني أية تجربة تعمق إحساسنا بالجديد الذي يُفكر فيه.
كانت جامعاتنا في العراق تملك خطابًا معرفيًا خارج الدرس والمناهج، أعتبر جيل المبدعين الذين تخرجوا في الخمسينات واحدًا من مهمات التنوير الذي قامت به دار المعلمين العالية يومذاك، وتعتبر تجربة الدكتور على جواد الطاهر بعيد قدومه من فرنسا في السبعينات، حين أسس ندوة عن النقد الأدبي واحدة من التجارب المهمة في الاطلاع على جديد الثقافة العالمية. لكي نتعرف اولًا على ماهية الخطاب الثقافي الذي نريد تأكيده لمثقفينا مستقبلًا، علينا أن ندعو من يغذي هذا الخطاب ويعمّقه، ففي الدولة العصرية تشخص الجامعات ما يحتاج اليه البناء المؤسساتي للدولة، فثمة خطابات حديثة يحتاج اليها المجتمع العراقي: الخطاب السياسي، الخطاب الاقتصادي، الخطاب الفلسفي، الخطاب الرياضي، الخطاب التراثي، الخطاب الجغرافي، الخطاب المعرفي، الخطاب الحضاري، الخطاب البيئي، والخطاب الثقافي، وغيرها، والدولة العصرية تحتاج إلى تجديد مستمر لكل هذه الخطابات وتأكيدها كجزء من بنية فلسفتها الحداثية، وأول ملامح التركيبة العملية لوجود مثل هذه الخطابات وتأكيدها في المجتمع، هو أن تؤسس الجامعة لها منظومة عمل عليا تضع برنامجًا شاملًا لكل الجامعات في العراق، وتلزمها بأن تواكب ما يحدث في جامعات العالم، ومراكز البحوث، وحلقات الفلسفة والاقتصاد والثقافة وغيرها، فنحن لسنا جزرًا معزولة عن العالم، ولا قطاعات مهملة، وعندما لا تؤدي الجامعة دورها التنويري عليها أن تغلق أبوابها وتعود بثقافتها لتكيات الروزخونية الشعبية. من هنا أقول أن أيّة منظومة سياسية تحكم، تأتي ومعها منظومة من الخطابات الحديثة، تمنهجها حسب تطور العملية التنظيمية والتنموية للبلد.
الأمثلة كثيرة عندما قامت الجامعات بدورها الفكري والحضاري، نذكر هنا واحدة من الجامعات التي أنهضت شعبًا بعد حروب، ونعني بها الجامعة الألمانية، حين أصبحت في المجتمع الألماني”نصًا” بمعنى أنها خضعت لكل متطلبات تحديث النصّ، فمثل ما يتطلب النص تنوعًا وتجديدًا وتحديثًا، تتطلب الجامعة ذلك، وبما أن الجامعة جزء من المجتمع المدني تقع عليها مسؤولية النهوض الشامل لهذا المجتمع.