كما جرت العادة!!

432

حسن العاني/

يُقال إن أطول حلم يراه النائم لا يستغرق أكثر من (14 ثانية)، ولا أدري هل أصدق العلماء أم أصدق نفسي، فقد استمر حلمي الأخير قرابة (14 سنة)، حافلة بالأحداث المتواصلة، سأرويها مثلما رأيتها، من غير تزويق أو تحوير، ففي أواخر شباط من سنة الحلم، ونحن في عز الشتاء والمطر، فازت حكومة اليسار بالانتخابات، وتمّ تعيين مدير عام جديد، بديل عن مدير عام حكومة اليمين، وكما جرت العادة طوال أعوام الحلم، اجتمع المدير الجديد بنا (نحن صغار الموظفين – كان عنواني الوظيفي كاتب طابعة- الغريب حتى في الحلم لا أحلم بوظيفة وزير أو محافظ أو حماية)، وبعد الترحيب وعبارات المجاملة، سألنا عن احتياجاتنا المهمة واحتياجات الدائرة الضرورية والمستعجلة، فلم يتطرق أحد منا إلى مطالبه الخاصة، بل أخبرناه بالاجماع: إنّ سقف البناية يعاني من التآكل والتشققات، وفي أيام المطر الشديد، يتسرب الماء إلى الغرف ويتساقط فوق الدواليب ومناضد عملنا، حتى أنه في إحدى المرات أتلف الأضابير (طبعاً في الأحلام فقط نتحدث عن مشكلات الدائرة على حساب مشكلاتنا الشخصية)، وقد استمع الرجل إلى ملاحظاتنا بصدر رحب، ثم قال (طلبكم موضوعي ومشروع، ولكن هناك أولويات يجب الأخذ بها، وفي المقدمة منها، التخلص من آثار اليمين، فصفّقنا له كما صفّقنا للمدير الذي سبقه بالحماسة نفسها، وكالعادة قام الرجل باتخاذ خطوتين، الأولى: عزل مدير المكتب والمعاونين وأفراد الحماية القدامى وتنحية رؤساء الشعب والأقسام عن مواقعهم، والثانية: تخصيص 49% من ميزانية الدائرة لتأهيل غرفته وقاعة الاجتماعات الملحقة بها تأهيلاً كاملاً، شمل الأرضية والجدران واللوحات والهواتف والمناضد والكراسي والكنبات والسجاد ونوعية الأصباغ المستعملة في الطلاء، وكان يتابع العمل بنفسه، ولا ينفكُّ عن التصريح (إنّ أي شيء يمتُّ بصلة إلى مرحلة اليمين، يُسبب لي حساسية تؤثر على كفاءتي وعلى انتاجية المنتسبين)، وقد حفظنا هذا التصريح عن ظهر قلب!!

استغرقت عمليات التغيير والتأهيل – بسبب حجمها وشموليتها – أربع سنوات وشهرين بالتمام والكمال، بحيث لم يجد أمامه الفرصة الكافية لمعالجة سقف البناية!! وفي أواخر شباط من السنة الفلانية جاءت نتائج الانتخابات لصالح اليمين، وعودتهم مجدداً إلى السلطة، وبالطبع تمّ تعيين مديرٍ جديدٍ بديلٍ عن مدير عام حكومة اليسار، وكما جرَت العادة، اجتمع الرجل بنا (نحن صغار الموظفين – عنواني ما زال كاتب طابعة)، وسألنا عن احتياجات الدائرة المستعجلة، فأخبرناه بالإجماع أن سقف البناية يعاني من التآكل والتشققات، وفي الأيام المطيرة يتسرب الماء إلى الغرف، ويتساقط فوق المناضد والدواليب، حتى أنه في إحدى المرات أتلف الأضابير، وقد استمع الرجل إلى ملاحظاتنا التي سبق له الاستماع إليها قبل أربع سنوات بتعاطف وشفافية وصدر رحب، ثم قال (طلبكم مشروع، ولكن هناك أولويات، وفي المقدمة منها، التخلص التام من كل آثار اليسار)، وكالعادة صفّقنا له، وكالعادة كذلك، قام الرجل باتخاذ خطوتين تمثلان الأولوية بالنسبة له، ولا يجوز تخطيهما أبداً، الأولى: عزل مدير المكتب والمعاونين وأفراد الحماية القدامى، وتنحية رؤساء الأقسام والشعب عن مواقعهم، والثانية: تخصيص 49% من ميزانية الدائرة لتأهيل غرفته وقاعة الاجتماعات الملحقة بها تأهيلاً كاملاً، شمل الأرضية والجدران والكنبات وحتى نوعية الأصباغ المستعملة في الطلاء..الخ، وكان يتابع العمل بنفسه، ولا ينفكُّ عن التصريح (إن أي شيء يمت إلى اليسار بصلة، ولو كانت بعيدة، يُسبب له حساسية تؤثر على كفاءته، وعلى انتاجية المنتسبين)، وقد حفظنا هذا التصريح عن ظهر قلب، مع أننا لم نكن قد نسيناه!! وقد استغرقت عمليات التغيير والتأهيل 4 سنوات، بحيث – أقولها للأمانة التاريخية- لم يجد الرجل الفرصة الكافية أمامه لتنفيذ طلبنا المشروع!!

في شباط من السنة الفلانية، ونحن في عز الشتاء، والأمطار في ذلك العام كانت استثنائية ولم تتوقف عن الهطول، فازت قائمة يمين اليسار المتحالفة مع قائمة يسار اليمين، وكالعادة تم تعيين مدير عام جديد بديل عن السابق، الذي قال لنا، كما جرت العادة، إن طلبنا نحن صغار الموظفين مشروع (ولكن هناك أولويات يجب الأخذ بها وعدم التغاضي عنها) وصفّقنا له أكثر من سابقيه لأنه من تركيبة جديدة غير مجرَّبة، يمكن أن تختلف عن سابقاتها، ثم أكمل كلامه قائلاً: في مقدمة تلك الأولويات خطوتان، الأولى: هي التخلص من آثار الحكومة السابقة، لأنها تسبب له حساسية تؤثر على كفاءته، وعلى انتاجية المنتسبين، والثانية: تخصيص… وقبل أن يذكر النسبة المعروفة، انهار السقف على الجميع!!