لاعب الشطرنج

33

صباح زاير /

مؤيد كاظم جار قديم تعود بداية معرفتي به إلى العام 1978، يزداد عليّ ببضعة أشهر في العمر، قامته أطول قليلاً، مثلما أكثر سماراً مني، يختلف عنّي بهدوئه التام وصوته المنخفض جداً.. أكثر صديق حفظت ملامح كفّيه لكثرة ما لعب معي الشطرنج في تلك السنة وفي السنة التي أعقبتها بعد أن أجهد نفسه وهو يعلّمني أسرارها فأغلبه باستمرار بعد أن اتقنتها، كأنَّ امتدادات شرايينه وبروزها من أعلى تلك الكفّين ماثلة أمامي إلى الآن.. حتى انسياب قطرات العرق حين تصل إلى نهايات أصابعه أكاد اتذكرها كلَّما حاول تحريك جندي خطوة إلى الأمام، أو عندما يفرح بقتل قلعتي بحصانه، أو حين يتلاعب بأعصابي وهو يحاصر وزيري ليعلن في نهاية اللعبة (كش ملك) فاستسلم تماماً.
مؤيد، وكثرة آخرون، افتقدتهم وضاعت أخبارهم بين زحام الدراسة والعمل، وقبلها أصوات الحروب وما تلاها من حصار وجوع وركض مستمر للحصول على كيلو طحين لا يصح الا بشق الأنفس.
لم يكن مؤيد صديقاً مقرّباً لي لكني مدينٌ لطيبته وحسن أخلاقه وسموّها، لذلك لم انتبه لغيابه الا بعد حين، هو واحدٌ من آلاف الوجوه التي تفرّقت مسمياتها بين صديق أو زميل دراسة، بجميع مراحلها، أو جار وعزيز، لكنّي بعد نحو 15 سنة من تاريخ غيابه حضرت في قاعة ضمّت عشرات الناس الباحثين عن فرصة الحصول على قطعة أرض تجارية، وحين لم تنصف تعليمات توزيع تلك الأراضي أحد الشباب الحاضرين وقف ليتحدّث بصوت عالٍ قائلاً: “يا سيدي أنا شاب ما إن انتهت الحرب مع إيران حتى بُتِرَتْ يداي اليمنى واليسرى”، ورفع نهايات كتفيه إلى الأعلى لتوثيق ما قاله، ثم واصل حديثه حين رأى أنَّ كلامه لم يترك أثراً لدى صاحب قرار توزيع الأراضي: “قل لي بربك هل فكرت كيف استطيع أن اتناول طعامي.. كيف أشرب الماء.. هل فكّرت بي كيف ألبس ثوبي وأقفل أزرار قميصي”.. ثم قال جملته الأخيرة وقد سبقته دموعه: “هل لك أن تتصوّر محنتي وأنا أدخل الحمام لاستحم أو لاقضي حاجتي”.
التفتُّ إلى الشاب فوجدته مؤيد؛ لاعب الشطرنج الأسمر صاحب الصوت الهادئ المنخفض الذي جعلته مرارة الحياة يتحدّث هذه المرة بصوت مرتفع، عادت بي الذاكرة إلى العام 1978 اتعقّب حركة يديه وهو يحمل الفيل إلى الأعلى ويتأخر كثيراً قبل أن يضعه في المربع المطلوب، ثم بعد نقلتين لوزيره تنتهي اللعبة لأغلبه مرة أو يغلبني في الأخرى.. ما عاد مؤيد بوسعه أن يلعب معي الشطرنج، فاته أن يقول لذلك المسؤول عن التوزيع اسأل صباح زاير كم تلاعبت يداي بأعصابه، وهل يمكنني الآن أن أفعل الشيء ذاته؟ حين سكب مؤيد الدموع غادرتُ القاعة ولم نلتقِ.. لا يمكن لي أن اتبادل القبلات معه من دون مصافحة.. غادرت القاعة لأني بحاجة إلى كفّين سرقتهما الحروب والظلم وكنت اتمنى أن أراهما في مكانهما المعتاد؛ بشرايينهما وسمرتهما وتعرّقهما، كنت اتمنى أن نتصافح لتهتز أيدينا بقوة والتمس حرارة أصابعه واتحسَّس خشونة كفّه، غير أنَّ المصافحة لا شك أنَّها لن تكتمل بدونهما.. صديقي مؤيد منذ ذلك الحين دموعك تستفز قلبي حدّ البكاء.