لحظةُ انتصارٍعراقية

461

عواد ناصر/

ينهض عثمان الموصلي من قبره يحمل عوده ليعزف للآتين لحن النصر وهو معفّر بتراب المعركة، يتحدى «داعش» ويغنّي للعالم.

قدّر باراك أوباما زمن الانتصار على داعش بخمسة عشر عاماً.

تهديد «داعش» لم يكن للعراق وحده، بل تهديد العالم بأسره.

هناك فكرة دولية تقول بأن يقاتل المسلمون بعضهم بعضاً. أي لتكن المعركة ضد الإسلام المتطرف إسلامية-إسلامية وكفى الغربيين شر القتال.

معركتنا وطنية، صحيح، لكنها، بالنتيجة، عالمية.

العراقيون، بتشكيلاتهم المسلحة كافة، خاضوا معركتهم لتحرير الموصل دفاعاً عن الوطن، لكن هزيمة «داعش» عالمية ابتداءً بالموصل.

الفرح لا يقتصر على النصر العسكري، رغم أهميته، بل هو فرح بـ «العقلية العراقية» داخل الموصل وخارجها التي قاومت «داعش».

أعني بـ «العقلية العراقية» مجموع المشاعر والثقافة والعاطفة التي كانت «البِنية التحتية» للنصر.

أطفال الموصل الذين احتضنوا ضباط الجيش في صور فوتوغرافية معبّرة إشارة بريئة على تلقائية الناس بعيداً عن التحليل العسكري وآيديولوجيا النصر وطائفية المحللين السياسيين والعسكريين الذين حاولوا «تبهيت» اللحظة الساطعة.

في كل حرب ثمة ضحايا. ولا نصر بلا دماء وتراب ودموع.

السؤال الآن: هل كان ما حدث ينبغي أن يحدث؟

السياسيون هم الذين يشنّون الحروب والعسكريون ينفذونها والمدنيون يدفعون الثمن. هذه هي دورة التاريخ البشري بطبعته الحربية.
والسؤال قائم: لماذا حدث ما حدث؟

هل كان من الضروري أن ندفع كل هذه الدماء؟

البداية تبدأ من الدولة المأزومة التي لا يمكنها أن تحقق الانتصار حتى على نفسها لتكون دولة مواطنة مسؤولة عن حماية مواطنيها، فسلّمت الموصل، وغيرها، لأعداء المدنية والسلام والتعايش.

مع كل الاحترام والإعجاب بشجاعة المقاتلين، من أكبر ضابط إلى أصغر جندي، أقول: ما حدث ما كان يجب أن يحدث. هناك من سلّم الموصل لـ «داعش» وهناك من استردها من «داعش».

يا لها من لعبة دامية ذهب فيها خيرة شباب العراق من القوات المسلحة والمتطوعين والأهالي المقاومين والجنود المجهولين الذين لا يعرفهم أحد.

قصص درامية كثيرة لم يكتشفها أحد فوق الركام وتحت الركام. كما في كل حرب.

التكريم واجب لأبطال التحرير.

التكريم لا التصنيم!

أصنام كثيرة سترمى في سلّة المهملات وأبطال كثيرون يصعب تعدادهم أعادوا المدينة إلى الوطن.

في لحظة الانتصار العراقية ينبغي أن نراجع ثقافتنا السياسية وعواطفنا وردود أفعالنا وأن نرنو بعين نقدية إلى ما جرى ويجري وسيجري.
«مبروك» كبيرة مغمّسة بالدم القاني والتراب والحلم.

«مبروك» مثيرة للجدل قبل أن يقدَّم المسؤولون عن ضياع الموصل إلى المحاكمة، لكي نعرف من بكى ممن تباكى!