لغز الرصيف!

229

#خليك_بالبيت

نرمين المفتي /

ذات مقال في عمودي الأسبوعي (مشاكسة) في جريدة الجمهورية، نهاية تسعينيات القرن الماضي، أي بخضم الحصار كتبت عن (حملة تطوير الأرصفة) التي كانت قد بدأت و(بشدّة)، وقلت إنَّ أرصفة بغداد تتغيّر كلّما تغيّر أمين العاصمة، وكأنَّه يحاول أن يعبّر عن انزعاجه من سوء إدارة من سبقه، لكنّها مع تلك الحملة دخلت مرحلة جديدة، إذ أصبحت في (إعمار) دائم وتساءلت إن كان التطوير سيصل في نهايته إلى تزويد الأرصفة بعجلات لتسير بِنَا حين نقف عليها؟ والا ماذا يعني (تطوير الأرصفة)؟ وكان الشارع يغار من الرصيف، لا سيما شارع الرشيد الذي بدأ منذئذ يفقد معالمه التراثية التي كان أصحابها يبيعونها رغم دخولها تاريخيا في قائمة التراث أمام أنظار مسؤولي أمانة بغداد التي كانت بحجّة الرصيف لا ترى ما يجري في الخفاء من صفقات كان ثمنها تخريب البيوت التراثية بذريعة أنَّها أملاك خاصة!
وتحتفظ ذاكرة عدد من المحافظات بأسماء محافظين أضيف اليها لقب (رصيف) بسبب اهتمامهم بالأرصفة وإعمارها لمرتين وأحياناً ثلاث في السنة الواحدة.
بعد نيسان ٢٠٠٣، تغيَّرت أمور كثيرة وأُهملت عمليات الإعمار لسنوات ولكن الرصيف حافظ على دلاله، الشيء الذي كان الانتباه اليه ملحوظاً جدّاً واستمر تطويره! لدرجة لا تمر سنة الا والأرصفة تتغيّر بتغيّر مواد من مقرنصات ملونة إلى غير ملونة وإلى تبليط سمنتي وطبعا لا يحلو العمل الا نهاراً ليشكّل سبباً آخر للزحام الشديد وتعرض العمال إلى التلوث، تتغيّر الأرصفة حتى إن لم تكن بحاجة إلى إعمار..
تُدلَل الارصفة بينما معالم شارع الرشيد ما تزال مهملة ويعمد أصحابها إلى تركها دون اهتمام حتى تسقط جدرانها وتنهدم سقوفها ودائما هناك ذريعة تتمسَّك بها الجهات المختصة وليست الجهة المدللة للرصيف وحدها وهي عدم توفر تخصيصات مالية لشرائها والمحافظة عليها!
لو أنَّ كل موقع وشارع، ليس في بغداد وحدها، إنَّما في المحافظات أيضا يتم الالتفات اليه مثل الأرصفة لكانت المدن عُمِّرت وتجمَّلت وزُرِعت.. ومع تغيير الأرصفة، يتم تغيير بلاط أو رصّ المساحات التي تحت المجسرات القريبة. واتساءل لماذا لا يتم زرع هذه المساحات، لا سيما أنَّ هناك شجيرات ومتسلقات تتحمّل مناخ العراق وستمنح بغداد والمدن بعض اللون الأخضر بعد أن بدأت تفقد الحدائق المنزلية وأفقدتها الاستثمارات عدداً من متنزهاتها..
وتستمر حملات إعمار الأرصفة، ويبدو أنَّ للرصيف لغزاً لا يستطيع فكَّه الا الراسخون في المشاريع وتكاليفها..