لنبدأ من جديد

538

نرمين المفتي /

ذات مساء، عرض عوني كرومي مسرحيته (تساؤلات) على المسرح الدائري في الأكاديمية، وكان الممثلون طلبته في قسم المسرح، لا أتذكر الزمن تماماً، لكنني أذكر أنها كانت بعد مسرحيته (صراخ الصمت الأخرس)على مسرح الستين كرسي..

في المسرحيتين، كان اليأس سيّد الموقف، وكان عوني يبدو يائساً من الظروف حتى قبل ان يُفرض الحصار، لكنه أضاف الى مسرحية (تساؤلات) مقولة السيد المسيح (حتى قبل الموت بساعة واحدة يستطيع المرء ان يبدأ من جديد)..

ربما حاول هو نفسه أن يبدأ من جديد وهاجر الى ألمانيا ذات سنة حصار، ليرحل هناك بعد أن أتعب وجع العراق والغربة قلبه..

البدء ممكن ومن أية نقطة يأس، لأننا لا نشبه الآخرين، لنبدأ مجدداً من نقطة حلم او بعضه، أمل أو بعضه. قرابة ١٥ مليون عراقي وربما اكثر لديهم صفحات على الفيسبوك، غالبيتهم داخل العراق ولم يفكروا تحت أي ظرف مغادرته، وأن نكتب منشورات عن اليأس او نؤكده، لا فائدة منها سوى المزيد من الإحباط وخيبة الأمل. نحن، اقصد أصحاب الكفاءات المختلفة الذين كان بمقدورنا أن نغادر العراق في سنوات الحصار الموجعة، طبعاً لا ألوم الذين غادروا باحثين عن حياة أفضل وأستثني الذين كانوا (مدللين) وغادروا ليمعنوا بإيذائنا وطعن البلد، وكان بمقدورنا أن نغادر في سنوات الضيم، الاحتلال والعنف والإرهاب والطائفية، قطعاً لا ألوم الذين غادروا بحثاً عن هواء غير ملوث للتنفس او أرغمتهم الطائفية وأستثني الذين كانوا السبب فيما وصل اليه العراق من فوضى، والمفارقة المؤلمة أن بينهم من اختار أميركا التي منحوها فرصة من ذهب للتواجد الدائم في المنطقة كلها وكانوا السبب في هذا الخراب، كان بمقدورنا أن نغادر، لكن البقاء كان خيارنا وهذا الخيار يرغمنا ان نتساءل او نتأمل ، لنواصل الدقّ الذي يفلّ الحديد.

لنبدأ من جديد: من نقطة اليأس التي وصل اليها البعض، لنبدأ من جديد: من قطرة دم شهيد لم يكن زغب شاربه قد نبت و لم يعرف الحلم ولم يعرف لماذا أُرغم على ان يكون شهيداً سعيداً، والمفروض أن يعيش بسعادة هذه القطرة التي تكبر منذ عقود، لنبدأ من كلمة، قد تكون (مسامحة) او (حبّ) او (محبّة) ومنها نلغي المصطلحين الأكثر قبحاً اللذين دخلا الى مفرداتنا اليومية وهما (محاصصة و مكونات) اللذين حولا العراقيين الى مجموعات، كل على استعداد ان تبطش بالأخرى بذريعة الحقوق والمكاسب..

ليس باليأس ندفع الآخرين، الشباب خاصة، الى استيعاب الواقع المرير والبدء مجدداً بحياة افضل، دائما هناك فرصة.

لا أكتب هذا بطراً انما غضباً، من الوضع المعقد والمقرف وممن يدفعوننا الى اليأس، ليس بمقدور ٣٦ مليون أن يغادروا البلد، لنكن جميعاً يداً واحدة وكلمة واحدة وسنقدر على البدء مجدداً معاً وقطعاً سنحقق ما نصبو إليه : بلد نعيده وطناً، مكونات نعيدها شعباً، والمحاصصة نجعلها تقاسم محبة و مسامحة..