لو أسقطنا الـ(باء)

280

نرمين المفتي /

في نهاية نيسان ٢٠٠٣، حاولت مع صديقات من داخل العراق و خارجه ان نصدر كتابا يتضمن رسائل متبادلة بيننا لا تزيد عن التمني بانتهاء الحروب في العراق، لا ادري لماذا توقعنا انها ستكون الحرب الاخيرة؟ لم يخطر في بالنا ولو للحظة العنف والارهاب اللذين شكلا حربا اخرى! اتذكر ذلك الكتاب الذي لم يصدر وأنا اشاهد احتفالات باريس بمناسبة مرور مئة عام على انتهاء الحرب العالمية الاولى.. احتفال مهيب حضره قادة العالم الذين كانت دولهم اما مع الحلفاء او المحور، يجلسون مع زوجاتهم جنبا الى جنب، احتفال بلا ابتسامة واحدة، وطالبات وطلبة المدارس الثانوية يقرأون رسائل كان الجنود قد كتبوها لأحبائهم قبل ان يقتلوا ولم تصل اليهم، انما تم العثور عليها هنا وهناك من جبهات القتال، واذ بدأ الناس احتفالاتهم في الساعة الحادية عشرة من يوم الحادي عشر من تشرين الثاني ١٩١٨، ساعة اعلان الهدنة في الحرب العالمية الاولى.

ينقل كتاب (نهاية الكابوس)، رسائل الذين كانوا على جبهات القتال، يقول كامي روفيار من فوج المشاة الـ411 “ألا نضحك؟ ألا نغني؟ ألا نقبل بعضنا؟ ألا نقفز فرحا؟ ألا ننفجر؟ إنه السلام! السلام يا إلهي! فهل نبقى هامدين؟ الويل! هل قتلنا من الداخل؟” والجواب على سؤاله مستمر منذئذ لحد الان، بل لحد عقود قادمة لا نعرف عددها وهو “انها قتلتنا من الداخل” ، ليس الذين قاتلوا وبغفلة من الرصاص بقوا على قيد الحياة، انما اثرت بعوائلهم وأحبتهم.

اعود الى الكتاب الذي حاولنا إصداره، كانت رسالتي “واخيرا، انتهت الحرب وما زلت أعيش”، ودائما اقول ان هناك فرقاً شاسعاً بين ان نعيش وان نحيا ..
لطالما فكرت كيف نسقط الـ(باء) من كلمة (الحرب)، ولم اجد وسيلة، هو الحرف نفسه الذي صادر احلام الاف الشباب، كنت قد تخرجت للتو ولديّ طن من الأحلام، وبدأت الحرب في ١٩٨٠، منذئذ وجيلي واجيال بعدنا، استمروا بلا احلام، وهناك من حقق بعضا من احلامنا لابنائه ولنفسه ونسينا..

حفل باريس والهدنة التي أعلنت في ١١/١١/١٩١٨ بينما لم يعلن عن انتهاء الحرب، ربما بقصد لتستمر الحروب بعد حرب عالمية وصفت بأنها الأكثر وحشية والأكبر في التاريخ، كان مهيبا وموجعا، وبين قادة العالم “وبينهم من يخطط لادامة الحروب كي يزداد ثراء دولته”، كان يجلس احفاد المفقودين في هذه الحرب وهم ستة ملايين مفقود واحفاد قتلى الحرب من العسكريين فقط، بينما عدد القتلى المدنيين كان يوازي عدد العسكريين، كلهم، الاحفاد كلهم كبار في العمر ولم يعرفوا من قتل او فقد، لكن وجوههم كانت ممتلئة وجعا ودموعا..

ليس اقسى من الحرب الا الذين ركبوا و يركبون موجتها ويصبحون اما اثرياء حرب او نهازو الفرص، والأمثلة من حولنا كثيرة .. وان لم نتمكن من إسقاط الـ(باء)، لنحلم ان يسقط..لنحلم ..