ما أشبه الليلة بالبارحة!

301

عامر بدر حسون /

وبعد أن تحرر العرب من نير الإمبراطورية العثمانية العجوز وتمتعوا بحرياتهم وأصبحوا نسبياً أسياداً في أرضهم، ابتدأ رجال العهد القديم، بعد أن اطمأنوا على أنفسهم ووظائفهم بمهاجمة “الخونة” الذين خلّصوهم من ذلّ أربعمئة عام من الاحتلال أكثرها كان اضطهاداً، وبدأوا يعيّرونهم بأنهم جاءوا مع المحتل الكافر ضد الحاكم المسلم!
تعرض لهذا الملك فيصل الأول يوم دخل سورية ومن بعدها العراق، وتعرض لهذا الملك عبد الله في شرقي الأردن وتعرض له في العراق الكثير من رجال الثورة العربية.
كانت الإمبراطورية العثمانية قد اهترأت بحكم الزمن والفساد والعنصرية والظلم الذي ألحقته بغير الأتراك، والذي ألحقته بالدين أيضاً يوم وصل الأمر برجال دينها أن يخطبوا في الجوامع العربية والتركية، بتذكير الرعايا أن لغة أهل الجنة هي التركية ويعدّدون السّور والآيات القرآنية التي نزلت في تمجيد الأتراك، ناهيك عن زعمهم بالانتساب للنبي واحتفاظهم بآثار منه، كما يزعمون .
ذلك لم يكن مجرد حديث في أساطير دينية زوّروها، فالطغاة عموماً يلجأون للدين ويفتعلون الأنساب النبوية، ليأخذوا راحتهم في القتل والتدمير، وليتصرف الواحد منهم مثل الله .. لا يُسأل عمّا يفعل وهم يَسألون عما يفعلون! ويتذكر جميع من لا يريد النسيان أن صدام حسين “اكتشف” أنه من سلالة نبوية ومن آل البيت.. فطبع شجرة نسب له ولعائلته تنتهي به كحفيد لرسولنا عليه الصلاة والسلام!
حين قامت الحرب العالمية الأولى، وهي مثل أغلب الحروب، بهدف فرض السيطرة على العالم من قوى صاعدة ضد قوى انتهت صلاحيتها، اختار الشريف حسين أن لا يترك الملعب فارغاً من العرب فتحالف بثورته ضد العثمانيين مع الإنكليز والفرنسيين، وانتصر الإنكليز والفرنسيون في أرضنا، ونجحت معها ثورتنا، ولكن بحدود ينطبق عليها المقياس او المثل القائل “من الجمل أذنه” لكن الجميع تم استقبالهم يومها استقبال المحررين والأبطال.
ولأن الناس عانوا من طريقة تفكير العبيد لقرون، فقد داهمتهم الحرية بإرباكاتها وثمنها وحيرتها، وكان هناك من حرّضهم ودعاهم الى أن يروا في الحرية التي عاشوها فوضى، وفي آليات الحكم الجديد ضعفاً. ثم أنهم باتوا يتمنون حاكماً قوياً يخلّصهم من أنفسهم ومن نعمة الحرية التي اعتبروها نقمة.
وبدأ البكاء على الحاكم القديم وبدأ إيجاد الأعذار لجرائمه المعلنة. فسميت جرائم السلطان عبد الحميد وجمال باشا السفاح بأنها لم تكن مجرد جرائم بل هي حزم وقتل لا بد منهما في سبيل الله والوطن والدين. وبدأت تشيع في العراق وسورية مقولات وحكم تقول أن ما يصلح للأجنبي الكافر من حرية وديمقراطية لا يصلح لنا! (وهو حال ثقافتنا السائدة بعد مضي قرن على تلك الأيام).
ثم إنهم أخذوا يقاتلون هذا الأجنبي الكافر والدخيل حتى بدعم مباشر من الأتراك في سبيل الله والدين والوطن! ومازال كثير من العرب يبكون حتى اليوم أمجاد الدولة العثمانية ويسعون لعودتها.. وما القاعدة وداعش وأمثالهما من المنظمات الإرهابية إلا منظمات تقاتل من أجل الدولة الإسلامية والحاكم المسلم.
لقد انتهت الصفحة وليس أمامي إلا أن أتوقف وأختم بما بدأت به:
ما أشبه الليلة بالبارحة!
والمعنى في قلب القارئ!