ما بين الكرونا والكورونا

67

يوسف المحمداوي /

يحكى عن النبي نوح عليه السلام أنَّه لما جاءه ملَك الموت ليتوفاه بعد أكثر من ألف سنة عاشها قبل الطوفان وبعده فسأله: يا أطول الأنبياء عمراً كيف وجدت الدنيا ؟ فقال: كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر.
ومع مقارنة حكاية نبينا نوح بما قاله شاعرنا الخالد أبو الطيب المتنبي:
“إذا غامرت في شرفٍ مروم.. فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقيرٍ.. كطعم الموت في أمرٍ عظيم
تجد المواطن العراقي وسط خارطتي حكاية نوح وشعر المتنبي في معاناته مع الموت وإن كان الموت حقاً لا بدّ منه، فنحن في زمن الطاغية المقبور الذي الى يومنا هذا نحصد زرعه الأسود على الوطن والمواطن وجدنا أنفسنا ضحية مكرمة (سيارة الكرونا) التي كان يمنحها لشهيد حربه مع الجارة إيران، ليذهب آلاف الشباب وهم في عز شبابهم ولم يعيشوا حياة الشباب الجميلة كما يفعل نظراؤهم في بقية دول العالم، ولم ينعموا بربع أعمارهم وهم ليسوا بأنبياء ولا مرسلين رحمهم الله، ونجد نبينا نوحاً وهو الذي عاش ألف عام يتصورها كلمح البصر بعد أن وصفها كدار لها بابان؛ دخل من أحدهما وخرج من الآخر، فكيف بحسرة وحرقة أولادنا وعائلاتهم الذين ذهبوا وهم بأعمار الورد، ومع تلك الفجائع كنّا نطلق الاهازيج الساخرة والطرائف المرّة على ما يحصل بنا، واتذكر منها (استشهد خويه استشهد بيها كرونا ام التبريد) أو طرفة تناقلتها الأوساط الشعبية عن جارة لعائلة أحد شهداء الجبهات حين استلموا الكرونا علقت بسخرية قائلة: (قابل.. مثل حظي نايم بمعسكر الرشيد)!
وحكايتنا الجديدة مع وباء الكورونا الذي أصبح أكثر رعباً وإرهاباً علينا وعلى العالم ليحصد آلاف الأرواح من المواطنين، لا ينطبق أيضا مع وصف المتنبي للموت، فلا توجد مغامرة مع هذا الداء القاتل لنصل النجوم بانتصارنا عليه بل كانت حصتنا الأكفان ومساكننا القبور، لكنّه صدق بوصفه لطعم الموت في الأمر الحقير وهو ما تذوقناه بحصاد هذا القاتل لكثيرين من أبناء شعبنا، والأجمل وصفه لطعم الموت في الأمر العظيم ليخص به شهداء الحرب ضد الإرهاب وإخوتهم من شهداء التفجيرات وهم يستحقون تلك العظمة، ولكن طعم الموت في الأمر الحقير تكرّر علينا في فاجعتنا الكبرى التي طالت مرضى هذا الفايروس بحريق مستشفى ابن الخطيب وكأنّ الموت يقول للعراقيين: أنا لكم بالمرصاد دائما وأبداً لنتحسر على الموت الطبيعي الذي أصبح من الحوادث السعيدة على قلوب ذوي المتوفين به، وكأن الشاعر يعنينا حين قال:
في كل يوم لنا مَيْتٌ نشيعهُ..
ننسى بمصرعهِ آثارَ مَوْتانا