ما بين الكوثر والتوراة

17

يوسف المحمداوي /

ما يعيشه المواطن العراقي اليوم يجعله في حالة التفات لا إرادي إلى الوراء، لينعم ولو بلحظات سريعة مع أرشيف الذاكرة لصور لا يمكن لعاقل أن يتجاهلها وهو يعيش وسط أزمات لا تعد ولا تحصى ولم ينزل الله بها من سلطان، حالات غريبة وعجيبة على مجتمعنا الذي عصفت به ويلات الحروب والإرهاب والمحرمات المستوردة بل الدخيلة على هذا البلد الذي ذنبه الوحيد أن الله حباه بنعمٍ أصغرها يحسدنا عليها القاصي والداني، فكيف الحال بنعمنا الكبيرة والكثيرة؟
ما دعاني لسرد هذه المقدمة هو شوقي وحنيني الأزلي الذي يغازل القلب والذاكرة من دون جواز سفر ولا باج الاستثناء الخاص بحظر التجوال لحياة عشتها في مدينتي وفاتنتي ميسان الحبيبة، فعشقها كالداء الذي ليس له دواء، وكالقدر الذي لا مفر منه.
دخلت المدرسة الابتدائية في منتصف ستينيات القرن الماضي وسأرسم لكم اللوحة الزاهية لمدينة العمارة في ذلك الزمن المبهر والمدهش مقارنة بالزمن الذي نعيش تعاسته وويلاته في يومنا هذا.
كانت في منطقتي “الجديدة” ثلاث مدارس؛ هي الوثبة للبنين والنبراس أيضاً للبنين، لكن حظي السعيد ودعاء أمي اختار لي مدرسة الكوثر الابتدائية المختلطة لتكون أول خطى المعرفة والجمال الأخلاقي والإنساني ومحبة البنات التي تعرفت عليها بتلك المدرسة، في الصف كنت أرى العراق بكل مسمياته؛ هو من يشغل تلك الرحلات (كما هو الآن)!، وجدت نفسي والطالبة المندائية ماجدة؛ جارتي في منطقتي وشريكتي في مقعد الدراسة (كما هو حاصل اليوم)!، الطالب صليوه الذي أصوله تعود إلى الموصل يجلس بمعية الطالبة سندس السامرائي، الكردي محمود بصحبة التركماني البياتي أحمد، وهكذا بقية الصف بل جميع صفوف المدرسة، بل إنَّ هذا الخليط يشمل المديرة وبقية المعلمين والمعلمات، وأقسم بروح ولدي الشهيد علي بأنَّ هذا ما رأيته ووجدته في مدينتي ومدرستي، فأين تلك الحياة الآن؟
انظروا إلى هذا المشهد الذي نراه دائما يتكرر في مدارسنا اليوم!، تدخل علينا معلمة درس التربية الاسلامية وهي عمارتلية أصولها من سامراء وتخاطب الصف قائلة: (من يحب يبقى بدرس الدين ومن يحب يطلع خارج الصف)، فتجد أغلب التلاميذ المسيح أو الصابئة يخرجون إلى ساحة المدرسة ويعودون إلى الصف بعد انتهاء درس الدين، (وهذا المشهد يتكرر يوميا في أغلب مدارس العراق الجديد)!، وفي منتصف ستينيات القرن الماضي كانت لنا وجبات غذاء صباحية توزع علينا يوميا بإشراف المديرة، وكسوة شتائية وأخرى صيفية في بلد تذهب ثروته النفطية للشركات الاحتكارية، وليس كما هو حاصل اليوم في مدارس الطين البدائية، وكأن رسولنا العظيم (ص) قال: “اطلب العلم ولو كان في الطين وليس في الصين”.
وختاما أقول كنت أذهب مع والدتي رحمها الله لزيارة كنيسة أم الأحزان في منطقة التوراة التي تضم المعبد اليهودي وكنيسة أخرى، فتقوم والدتي بصبغ باب الكنيسة بالحناء ثم تقوم بكنس باحة الكنيسة وهي تتمتم بالدعاء عند باب الله، وليس عند باب السلطان كما تستنجد بصراخها اليوم أمهات الشهداء والأرامل.