ما بين بغداد والشارقة!

49

جمعة اللامي /

“حدقت إلى القمر، فتعثرت”
(غراهام فولر ـــ مؤلف أميركي)

وكما كان يحدث، قبل أربعين سنة، طوينا المقاعد، وعِجنا، على طريقة أبي نوّاس، على المطعم الصغير، المقابل لأطلال الحيرة: ابتعنا باقلاء وخبزاً مُطيباً على “تاوة” أكل الزمن عليها ولم يشرب، وتزودنا بماء، ولم ننس التمر واللبن: كنا مثل عاشقين في الساعات الأولى من يومهما الأول.
قالت صاحبة عمري:
ـــ “خلّنا نستظل بفيّْ نخلتنا الأثيرة.”
ـــ “أتدرين.. أظن أنها الآن تتذكر تلك الأيام والليالي، حين كانت البحيرة هي الشمس والهواء.”
وقالت صاحبة عمري: “لا تنسَ كتابك.”
تناولت كتابَ “الشيخ الأبيض”، ثم غادرنا إلى مشهد يتشكل من متاحف الشجر والبحر والسماء.
شيئاً، فشيئاً، وصورة بعد أخرى، رأيتهم يقومون من تحت مياه البحيرة: ها هو غانم غباش، وذاك هو أحمد المدني، بعده سلطان العويس، ثم صقر الرشود، قيس السامرائي وإبراهيم جلال. وخلفهم احتشد أصحاب أسماء، والكل ينظر إلى أعلى، فلكأن رؤوسهم صُبَّت على أكتافهم.
سمعت رفيقة عمري تخاطبني :
ـــ”أراك سافرت بعيداً!”
قلت: “أنا قرب الماء.”
وغير بعيد عن الماء، حيث النوارسُ اهتبلت خجل الشمس في ذلك الصباح، فاصطفت على إفريز الكورنيش، شاهدت حبيب الصايغ، وأحمد راشد ثاني، وسلمى مطر سيف، ومريم جمعة فرج، وناصر الظاهري، وأمينة بوشهاب، وعائشة عبد الله، وعبد الإله عبد القادر، وهيثم الخواجة، ورعد عبد الجليل، ومحمد دياب، وعلي أبو الريش، وفالح حنظل، وكريم معتوق، وصالحة غباش، وأحمد الجسمي، وعبد القادر الريس، ومحمد المر، وجمعة الفيروز .. !
… وأخذت الأسماء تصطحب أصحابها، في قافلة سعيدة، مثل غيوم الشتاء، باتجاه عكاظ الكتاب، بينما كانت تزدحم رؤوس الأفكار في رأس الخيمة، ويبني “الفن السابع” أساساته في دبي، وتستعد العاصمة للاحتفاء بالكتاب بعد أشهر معدودات.
قالت رفقية عمري:
ـــ “سندعوه لمرافقتنا، مساء، إلى جناح معرض الكتاب.”
قلت: مَنْ؟
وأشارت الى البدر الذي يتوسط المساء، حيث النهار أبيض، والشمس ترافقه على مجلسنا.
رويداً، رويداً، نزل القمر، وخاض في الماء، ثم صافحنا.. وأخذت أقرأ ما كتبه الشريف الرضي، وهو يمر على بغداد في قصيدته الرائعة في شأن بغداد:
أَرى بَغدادَ قَد أَخنى عَليها … وَصَبَّحَها بِغارَتِهِ الجَليدُ
كَأَنَّ ذُرى مَعالِمِها قِلاصٌ… نَواءٍ كُشِّطَت عَنها الجُلودُ!