ما بَينَ اللّسان والسَوط

104

جمعة اللامي /

“سياسةُ البلاغة أشدُّ من البلاغة،
كما أن التوقِّي على الدواء أشدُّ من الدواء”
(سَهلُ بن هارون)

تنحدر الفكرة من مستودع الفكر إلى اللسان، إلى اليد، ثم إلى القلم، فالقرطاس أو الرمل، أو قطعة القماش، أو شاشة الكمبيوتر، ولا ندري بعد ذلك اسم مُستَقرِّها ما قبل الانتهاء. والفكرة في مخزن الفكر، أو مستودعه، صورة لا تبدو نهائية، وتأخذ شكل المنتهي، من اللسان إلى القرطاس مروراً باليد، حتى أننا نراها ميتة عند من لا يجيدون العودة بها إلى منبع فيضها الأول، وحيّة متجددة متنامية، ثم جبّارة قاهرة، لدى أولئك الذين يعرفون فضيلة الصمت في العقل، ويدركون فساد الثرثرة على اللسان.

هل رأيت عقلاً يُصوِّت؟
نحن نسمع ونرى لساناً يحكي ويُصوّت. فمنه القليل البليغ، ومنه الكثير الثرثار المهذار، ثم بعد ذلك تأتي اليدُ الصامتة لتخلص الفكرة من ترهات الثرثرة اللسانية، ولتؤصّل صمت العقل، وتحيلها إلى القلم الذي أقسم به الله، وهو الصامت الآخر، الذي يقف قباله صامت آخر، هو السوط: السوط إعادة تثقيف للثرثار، لأنه سُلطة ونداءُ سلطة، لكنه يُزيّف هيبةَ الصمت، ويُزوّر مروءات مستودع الفكر، ليصل إلى مرامه الأخير في سجن الفكر.

والسوط لسان جرى تثقيفه في نقيع من الملح والخَلّ حتى بات يؤدي غرضاً واحداً في مواجهة مستودع الفكر، فكان أن استوى سَبعاً عقوراً، وخاف منه الهَشُّون في الروح، ولم يخشه ذوو النفوس الكبيرة والمقامات العُلى، فقيل بلسان الجاحظ رحمه الله: “مقتل المرء بين لِحييهِ وفَكَّيهِ”. وقيل أيضاً إنه لا يُدانيه سجن أطول منه.
وكان سهل بن هارون، بالرغم من فضل العرب عليه وفضائل العربية في تثقيفه، شديداً في هجومه على العرب، بينما كان يكتب رسائل أشهر خلفاء بني العباس، والقوم عنه لاهون، وفي مِتعهم سادرون، وعلى أهل العقل ناقمون.
ورأيت صاحبي غريب المتروك، يدخل طور النقمة قبيل المساء وحين سألته: لم أنت ناقم؟
فأمسك بطرف لسانه، وقال: “مُنحنا هذا لقول الحقيقة، وها هو يتحول سوطاً لمعاقبة أهل الحقيقة”.
لا حول ولا قوة الّا بالله.