ما يخبئ القلب..

152

نرمين المفتي  /

استوقفتني نحلة ثم أرغمتني على تصويرها، كانت تتنقل بخفة حذرة بين شجيرات الشوك التي تُسمى (الخرفيش)، أو (حليب الشوك)، ونسميها ببساطة (الشوك) التي تتكاثر طبيعياً بالربيع في كل مكان: الحدائق المنزلية والمتنزهات والحقول، وتقف ثوانيَ على أزهارها الأرجوانية، أو البنفسجية، متفادية أشواكها الحادة جداً لتمتص رحيقها. وهكذا بين زهرة وأخرى، لم تجرح جناحيها ولم تتراجع عن مغامرتها التي استمرت دقيقتين أو أكثر بقليل، وحين انتهت من مهمتها في جمع الغذاء لصغار النحل الذين ينتظرون في الخلية، جاءت فراشة وغامرت، كما النحلة، ووقفت على زهرة الشوك، ولمستُ سعادتها وهي تحرك جناحيها الرقيقين بخفة وكأنني سمعتها تضحك وتنظر إلى الأشواك التي لم تتمكن من عرقلة مغامرتها..
يقال إن المغامرة غير معروفة النتائج، لكن الذي يخافها يظل يراوح في مكانه، وقطعاً فإن المغامرة ليست في الصعود على رقاب الآخرين و(خمط) حقوقهم، وليست بالنفاق أو الالتحاق بهذا الحزب أو ذاك، وليست بالفساد وسرقة قوت الشعب، الفقراء منهم خاصة، هذه التصرفات غير الأخلاقية إن كان يصفها مرتكبها بالمغامرة وأحياناً بالشطارة فإنها مغامرة بسمعته، ومن الغريب أن يسود في مجتمعنا المثل الأمريكي اللئيم الذي يقول (إن المال يتكلم) Money talks ولأجل هذا المال فإن (المغامرات) بالسمعة لا تتوقف، لكن الذاكرة الجمعية للمجتمعات لا تنسى أبداً، سيستمر أفرادها بالإشارة إلى هذا المغامر بسمعته إلى أولاده، وحتى أحفاده، بأنهم فاسدون ولصوص، وحين تأتي حكومة نزيهة بعيدة عن المحاصصة، سيبدأ الإنتربول بمطاردتهم في الدول التي هربوا الأموال المسروقة إليها وأصبحوا يعيشون فيها كالملوك، لكن عروشهم ستتحول إلى أشواك تحتهم عاجلاً أم آجلاً..
المغامرة جرأة مطلوبة، ولكن بشرف، يقول جلال الدين الرومي “هل سينتهي الورد وتسود الأشواك؟ كل شجرة تنبت ما يخبئ قلبها.” والإنسان كذلك يغامر بما يخبئ قلبه جمالاً أو قبحاً.. ولأن قلبي النحلة والفراشة اللتين صورتهما كانا يخبئان الجمال، لم تخافا الشوك، ولا كاميرتي، انتهتا من مغامرتيهما بسعادة.. لن أقوم بدور الناصحة، كل يعرف قلبه، وليستمر القبيح قبيحاً، فالكل يعرفونه حتى وإن كانوا يبتسمون في وجهه ويقفون (احتراماً) له..