ما يشبه الألغاز

331

عبد العزيز الناصري/

رحت أبحث في كل أماكن الأرض عن بشرٍ مثلنا دمهم دمنا.. لحمهم لحمنا.. نجباء ولو بقدر.. طيبون ولو بعض شيء.. مخلصون بلا رتوش.. للخير عاشقون وبه يعرفون.. مسؤولٌ.. حمله الآخرون فأجلسوه على مقعد المسؤولية فكان شكوراً.. يدري انه ولد في رحم مسار معين.. لكنه يمسك بيديه كل المسارات لتسير معاً.. ينبذ الولاء الضيق في القرار.. يرى الناس جميعاً كأسنان المشط.. يشغف بالعدل فيصبح هويته.. لا يحادي أو يميل.. معياره في العقاب والثواب مقدار العطاء.. وقد تغلق أبوابه حفاظاً على بعض أسرار عمله، لكنها مشرعة للمحتاج والمظلوم.. قلبه يتعدى حدود مكتبه.. فيسمع لقلب الثكلى أنيناً.. ولليتيم في جوف الليل عويلاً.. ولمحرومٍ سلب حقه صرخة وحنيناً.. فهو للجميع أبٌ، له أكفٌ رحيمة، يربت بها على كتف بائس ليعيد الى روحه الأمل أو يمسح على رأس يتيم ليضيء في حنايا روحه الرجاء.. ويعانق محزوناً لتهدأ سورة حزنه..

موظفٌ.. يدري أنه على حق غيره مؤتمن فيصونه.. يشع نزاهةً.. فلا مالا يغريه.. ولا جاها يهويه.. يرى فيما يكسب قناعة تكفيه.. فلا تتعدى عيناه خارج سرب استحقاقه.. معياره في الشرف خدمة الآخرين وبها تفانيه.. وعنده للواجب قدسية وإجلال.. وللوقت مهابة واحترام.. بشوشٌ في وجه الآخرين.. يرى أنه خادم وهم سادته.. وجد لأن يقضي لهم حوائجهم.

يحترم الكبير.. ويحنّ على الصغير.. لا صلة له برحم في أدائه.. فالجميع أرحامه.. واذا قصّر اعتذر.. واذا أنجز سرّ وابتشر.

عاملٌ.. مخلصٌ ومجدّ.. لا يكلّ ولا يملّ.. دؤوبٌ بلا رقيب.. ذراعاه تعانقان آلة عمله فتصبح بعض كيانه.. عرقه يتصبب بلا انقطاع.. ليظل شريان الحياة من حوله يتدفق عطاءً.. حريص على ما أتمن.. لا يفرط في واجب أو يقصر في أداء..

شرطي المرور.. هو من عقد صلحاً مع الشمس فمنحته بعض أوارها فاصطبغت بشرته بوجهها.. ومع الريح لترسم فوق قسمات وجهه بعض ذراتها فتحيلها سمرة داكنة.. لا يبحث عن ظل يؤويه.. أو يجامل مخالفاً يغريه.. كالنخلة مرابط بقامته لا يدع السير ينفلت عن عقاله فتعم الفوضى.. يرصد كل مراوغ يحاول كسر هيبة النظام..

رجل أمن.. يرى أنه لا شرف في بزّته العسكرية أكثر من أن يمنح غفوة هدوء للآخرين.. او ينزع خوفاً من قلوب اعتصرها الرعب والهلع.. أو يمنح البهجة لأم أعاد لها ولدها بعد ضياع.. تظل عيونه مفتحة لتغمض للناس عيون.. يسره مرح الأطفال والصِّبية في الشوارع والأزقّة.. لأنه صانع ذلك المرح.. قسمات وجه مخيفة ترعب الخارجين عن القانون، وسمحة طيبة تسر الناظرين الباحثين عن هدوء وأمان..

لكنني لم أجد مثل هؤلاء إلا في جمهورية أفلاطون.