محلتي الجميلة

342

عبد العزيز الناصري/

تغفو محلتي الجميلة بين أحضان الفرات الخالد.. كل شيء فيها جميل حتى حجارتها القديمة، طيبون كطيبة أرض الرافدين، قلوبهم بيضاء نقية كنقاوة الماء الرقراق، عيونهم مثقلة بالأمل الندي المفعم بالخير والعطاء، سويداء قلوبهم تتشابك فيها مديات الحب، فتطرد عنها خفافيش الحقد والضغينة، وتزرع فيها ورود العشق والأمل.

في محلتي الجميلة اذا مرض فيها أحد تحول بيته الى خلية نحل حتى يبرأ، واذا زارنا ضيف لا يدري أينا مضيفه، فقلوبنا مشرعة للجميع قبل بيوتنا، لا يعرف في محلتنا عوز أو فقر، فلا تجد فيها من يجوع، فالموائد في كل البيوت، لا يعيب احدنا غيره ولا يسيء جار جاره، سيئ الخلق علامة فارقة يشار اليه، والصالحون كثيرون فهم السائدون.

في محلتنا الجميلة، العرض مصان، فلا يخشى غائب على من ترك، فالجميع حارس لعرضه، الأزقة في محلتي ضيقة لكنها تتضوع طيباً.
اذا ما حل المغيب في محلتي الجميلة، تفوح منها رائحة البخور تشعلها النسوة ليطردن عنها أشباح الشر، تعزف فيها طوال النهار سمفونية الطفولة الخالدة، يلعبون كرة يصنعونها من القماش، وألعاباً أخرى مثل (عظيم اللاح).. و (الروجح).. يلهون بها طوال النهار، بينما فتياتنا الصغار يصنعن من الطين دُمىً جميلة يتحدثن معها. وان حلت الظهيرة في محلتي الجميلة، تلهبُ الشمس أجسادنا السمراء بحرارتها القاتلة، فنرمي بها في الساقية التي ترضع ثدي نهر الفرات، لتروي عطش المزارع من حولها. وعند الشتاء عندما تفتح المدارس ابوابها تجد كل اطفال محلتنا يحملون كتبهم بأكياس النايلون، وأما الميسور منا فيحمل حقيبة من الصفيح، وعندما تنتهي ساعات الدرس ترانا نتقاتل كذباب على جنبر (أبو غايب)، ذلك الرجل الطيب ذو القامة الفارعة النحيفة وهو يبيع الحلوى و(العسلية).. والى جانبه وليس ببعيد تفترش الأرض (أم خضير) لتبيع (البالوتة).

محلتنا الجميلة ليس فيها غريب، فالأب أب الجميع، والأم أم للجميع والأخ والأخت إخوة للجميع، يعرف القاصي عن الداني تفاصيل حياته.
في محلتي الجميلة، السمر جميل وليله طويل فهو يمتد حتى الفجر، فأنوار محلتنا لا تنطفئ وان كانت خافتة لكنها تطرد الظلام، لا تعرف محلتنا الظلام، لا تعرف محلتنا الظلام.

مازالت محلتنا بحلاوتها، بطيبها، بروعتها تعيش في ذاكرتي منذ خمسينات القرن الماضي، لقد ضاعت ملامح محلتي اليوم وراحت تئن باكية، بل صار وجهها مرعباً يخيف أهلها، فطارت عصافير الخير والعطاء تبحث عن عش جديد في مرافئ المنافي تئن باكية.. الى متى لست أدري..