مخيمات الإيواء – المعالجات

51

علاء الحطاب /

في سبيل إيجاد معالجات ناجحة لمشكلة المخيمات التي تؤوي عوائل وأطفال عناصر داعش لابد من الإحاطة بطرفي القضية وهما “طرف الضحايا، أي ضحايا تنظيم داعش الإرهابي، وطرف المجرمين المنتهكين لحقوق الانسان” في المناطق التي سيطر عليها هذا التنظيم الإرهابي.. إذ ما يزال هناك الآلاف من الضحايا الذين قام عناصر داعش بقتل ذويهم، وتشريدهم، وسلب ممتلكاتهم، واسترقاق نسائهم، وتفجير بيوتهم وممتلكاتهم وأماكنهم المقدسة، وتجنيد أبنائهم، وهؤلاء الضحايا لا يقبلون بأي حال من الأحوال عودة عوائل الدواعش إلى مناطقهم والاندماج مرة أخرى في المجتمع، ولاسيما أن مجتمع الضحايا لم يجد من يداوي جراحهم ويجبر ضررهم.
في حالات كهذه في بلدان متعددة شهدت حوادث مشابهة توجد جملة “وصفات” ليست سحرية بالنتيجة، لكنها تبقى في إطار المعالجات التي تمنع استمرار الثأر والثأر المقابل والانتقام الجماعي والمجاني واستمرار دوامة العنف ومن ثم تحويل الضحية إلى جلاد والجلاد إلى ضحية، وهكذا تستمر تلك الدوامة وما يرافقها من صراعات واقتتال مجتمعي حاد.
من الوصفات العلاجية لحالات كهذه المرور بمرحلة انتقالية وفق آليات العدالة الانتقالية، إذ يتم من خلال هذه المرحلة العمل بخمس آليات منها كشف حقيقة ما جرى من انتهاكات في سبيل معاقبة الجاني فقط دون سواه وحفظ حق المجني عليه قانونياً وعدم السماح بتصفية الحسابات الخارجة عن إطار الضحية وحقوقه والمجرم وعقابه، ومقاضاة ومحاكمة الجناة ممن ثبت ارتكابهم جرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان دون سواهم، وفي ذات الوقت تعويض ما يمكن تعويضه لضحايا تلك الانتهاكات بالقدر الذي لا يشكل فوارق طبقية ممكن أن تشوه معنى الضحية وتضحيته ومن ثم اللجوء إلى إصلاح المؤسسات التي تسببت بشكل وبآخر بتلك الانتهاكات من خلال قوانينها وتعليماتها، وحتى موظفيها، في سبيل الوصول إلى مصالحة مجتمعية قبل مرحلة الاندماج الاجتماعي بين الضحية والجلاد.
وهنا ينظر الضحية إلى عوائل عناصر داعش بأنهم جلادوه إما لمقتل العنصر الداعشي أو لغيابه وهروبه لسبب أو لآخر.
لذا لابد من دراسة منهجية لهذه المخيمات والبدء فعلياً بمنهج تربوي وتثقيفي نفسي وديني واسع وشامل يبدأ بالأطفال الصغار والمراهقين ونساء عناصر داعش، يتضمن هذا المنهج التربوي إلقاء دروس مكثفة ومعايشة حقيقية مع هؤلاء بوسائل متعددة تشتغل على مساحة “إقناعهم” بخطأ ما ارتكبه رجالهم تجاه الضحايا، تتزامن في الوقت ذاته محاسبة من يروج لأفكار داعش والتطرف الديني وعزلهم عن أقرانهم، وإذا استلزم الأمر إيداعهم في مراكز الإصلاح، ولاسيما زوجات عناصر داعش.
يترافق مع كل ما تقدم توفير أساسيات الحياة الكريمة لهم من مأكل ومشرب وملبس ومنع التجاوز عليهم من قبل الجهات الأمنية المكلفة بحمايتهم أو ابتزازهم في سبيل إشعارهم أن الدولة ترعاهم ما داموا لا يشكلون خطراً على المجتمع مستقبلاً.
الاهتمام بالجانب النفسي لهؤلاء خطوة مهمة جداً، ولاسيما الأطفال والنساء منهم الذين يمكن إقناعهم، فلا وسيلة لإعادتهم إلى الحياة دون أن يشكلوا خطراً عليها إلا من خلال إعدادهم جيلاً سليماً خالياً من الأفكار المتطرفة، ليعترف ” ذوو داعش” بخطأ ما صنعه رجالهم، كذلك اعترافهم بالانتهاكات وحقوق الضحايا في سبيل الوصول إلى “الاعتذار” غير الشفاهي بل الواقعي عما بدر من رجالهم.