مسافرٌ زادُه الخيال!

337

عامر بدر حسون /

في واحد عشرة عام 1978، اي قبل 40 عاماً صحوت مبكراً لتنفيذ القرار الذي سيؤثر في حياتي الى الأبد.
كان موعد رحيلي من العراق هو فجر اليوم التالي.

***

– كنت أحمل في أعماقي ثقل سري الكبير: مغادرة العراق بجواز سفر نصف مزور!

– لم استطع أن أخبر أحداً.. فالأيام كانت أيام شك بأقرب الناس.

وبدلاً من التشكي قلت: لأملأ عيني بما أستطيع من بغداد.

سرت في السعدون وبدأت أعد المكتبات، ثم بدأت أعد دور السينما والمسرح التي استمتعت بها طيلة سنوات:

هنا سينما السندباد.. هنا النجوم.. هنا أطلس.. سمير اميس.. النصر .. وأخيراً سينما بابل. ستة دور سينما في شارع واحد وعشر مكتبات.. اضافة الى مسرح “الستين كرسياً” والمسرح الفني الحديث..

وأحصيت ثلاثة مطاعم راقية تقدم كل يوم خميس فرقة تعزف الموسيقى الساحرة!

هل يمكن مفارقة هذا؟

***

عرجت على شارع “أبو نواس”، الشارع الأغرب والأجمل في العالم:

مطاعم وبارات ومقاهٍ تمتد على ضفة دجلة مباشرة ولمسافة تصل الى عشرة كيلو مترات. كان الشارع لما يزل غافياً فهو ينتعش ويضيء في الليل.

– اقتربت من نهر دجلة وأردت أن أشرب من مائه مباشرة.. لكنني خجلت من تنفيذ ذلك الفعل الطفولي!

غير أنني دخلت الى مقهى كنا نجلس فيه بطريقة ساحرة..

كنا نسحب الكراسي الخفيفة ونجلس فتنغرز في طين النهر وتغوص بنا شيئاً فشيئاً، ونقضي الوقت في القراءة او الدردشة او أحلام اليقظة!
انسحبت بعد أن ملأت صدري برائحة النهر.

– لم أكن صغيراً (28 عاماً) لكنني كنت على يقين أنني بالنظر والشم واللمس سأحتفظ بتلك الأشياء زاداً ومتاعاً لسفري الطويل!
وفي الخلفية كانت أغنية محمد عبد الوهاب “مسافر زادُهُ الخيال” تدور وتحدد إيقاعي!

***

عندما حل الظهر كنت في المحمودية عند أهلي..

ثم أنني قمت بجولة في مدينتي.. لم أسمح لأحد بمرافقتي. كنت أريد أن أحصل على (وقتي الخاص فيها).. وقتي الذي أزعم أنني أستطيع فيه ضم كل ما أراه وأشمه وأسمعه في روحي!

ذهبت الى البيت القديم الذي ولدت فيه، الى مدرسة المحمودية الابتدائية الثانية التي ذهبت إليها أول مرة في طفولتي عام 1956 متّبعاً نفس الطريق والخطوات القديمة!

***

في الليل جاءت عائلتي الى بغداد بسيارة كبيرة ليودعوني سراً!

جلسنا لساعتين ولم يكن ثمة ما يقال.. فكل واحد فينا كان يطوي في قلبه كلمات ومخاوف مبهمة، لكنني في النهاية عانقتهم وقبلت يدي أبي وأمي وهي تردد: “سعيد وبعيد” و”بالعربان ولا بالتربان” (مشرد عند العرب ولا مدفون تحت التراب!).

***

– نمت تلك الليلة على السطح.. وملأت عيني بالنجوم وأماكنها التي أعرفها جيداً وكان أملي أن أعود وأراها كما تركتها!

– هل نمت تلك الليلة؟ لا أدري!

فقد كنت أنهيت قبل أسبوع علاقة عاطفية وودعنا بعضنا دون أمل باللقاء او وعد بالمراسلة فالحياة والموت أقوى من الحب!

وكنت نهباً لأفراح وأحزان مختلطة.. فرحة الخلاص من الموت والتعذيب أو أن أكون بعثياً. والخوف من أن يكون اسمي قد وصل الى المطار!

***

فجر الغد سأكون في المطار واختبر الخوف والفرح دفعة واحدة.. فهذه المشاعر اعتاد العراق أن يقدمها الى أبنائه مختلطة ببعضها..

والمحظوظ والحكيم من يستطيع فرزها ليأخذ حصته منها صافية!