مشكلة الحب

50

عماد جبار /

لا أريد من الحب غير البداية
محمود درويش

نسخة الحب التي تجتذب محمود درويش والشعراء والفنانين عموماً، وربما بقية الناس. هي نفسها التي اجتذبت المتنبي يوماً فقال:
وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه..
إنه القلق الذي ينتاب الكائن الإنساني عندما يحب وهو قديم قدم الإنسان، وهو حقيقة عصبية جرى التركيز عليها في حياتنا الحديثة ولم تكن شائعة من قبل. كان الناس يتزوجون دون اعتبار لما يحسون، إلا القلة ومنهم الشعراء الذين تعذبوا أوجُنوا أوماتوا من الحب كقيس بن ذريح وابن الملوح وغيرهما.
يمكن تقسيم الحب من الناحية النفسية ووفقاً لعلم الأعصاب إلى ثلاث مراحل: مرحلة الاكتشاف ومرحلة القلق ثم مرحلة الارتباط أو عدمه، وفي كل مرحلة يفرز دماغ الإنسان موصلاً عصبياً مختلفاً. في المرحلة الأولى يفرز هرمون القلق (الكورتيزول) المرافق لعملية فك أسرار الإنسان الآخر واكتشافه، ثم في المرحلة الثانية يفرز هرمونات السعادة ومعها هرمونات القلق أيضاً، وفي الأخيرة هرمون الارتباط (الأوكسيتوسين).
في حياتنا الحديثة وبتأثير غربي أصبح التركيز غالباً لاسيما في الأغنية والقصيدة على المرحلتين الأوليين، مرحلتي الاكتشاف والقلق. وأصبح الآن لدينا آلاف الأغاني لقرن وربع من الزمن تشكلت منها صورة الحب الراسخة في عقلنا الباطن. ندر أن ظهرت أغنية تتحدث عمّا بعد الحب والتي تبدأ وفق علم الأعصاب بعد ثمانية عشر شهراً، يُفرز فيها الأوكسيتوسين بدل الكورتيزون في الجسم، إذ يشك الحبيب بامكانية امتلاك الحبيب والعيش معه تحت سقف واحد. المرحلة الأخيرة وهي مرحلة الارتباط يُفرز فيها هرمون الترابط وهو نفسه الذي تفرزه المرأة عند إنجاب طفل وعند رضاعته، وهو هرمون الاسترخاء والتقارب الجسدي والعاطفي والسلام إلإجتماعي والإنتاج.
وفي تجارب علمية مبكرة أُعطي هذا الهرمون للبقر في حقل في أميركا فلم تتوقف البقرات عن إنتاج الحليب. وهو نفسه الذي يشكل العادات اليوماة، إذ تتحول عاطفة الزوجين من القلق الأكال والشك في امتلاك الآخر إلى الأمومة والرعاية. لكن الناس بسبب التأثير الثقافي الجديد الذي يخلف صورة نمطية للحب وبسبب رتابة التعود الذي يجعل الحبيبين يشكان في مشاعرهما التي تتوقف عن التأجج ويجعلهما يحسان كأنهما لم يحبا بعضهما، وأن ما مر بهما لم يكن حباً، تبدأ لديهما رغبة بالعودة إلى مرحلة القلق التي رسخت في الذهن وتتحطم صورة الحب المتحولة التي لم يفهمها ولم يستطع التعامل معها غالبية الناس. ولذلك ينبغي أن نسعى إلى معرفة دقيقة في علوم النفس لكي نستطيع معرفة ما نحس به وما نمر به من تحولات فسلجية ونفسية وعصبية لكي نبقي الحب حياً.