منفى جديد

247

طالب الداوود/

ها هو ينتهي، العام الذي اعتقدت أنني لن اهتم إذا ما اجتزته أم لا. منذ أن وضعت العائلة أقدامها على هذه الأرض، ما عدت مهتما كيف سيكون حال اللعب في الوقت الضائع من العمر، وفي أحيان كثيرة يمكن أن يكون اللعب في هذا الوقت هو الأفضل من كل ألعاب السنوات التي سبقته.
ينتهي كما انتهت أعوام كثيرة في حياتنا، لكن أسجل له؛ أنه كان عام مغامرات أتمنى أن تكون الأخيرة، فلا العمر ولا القلب ولا الروح تحتمل شيئا منها مرة أخرى.
لم أحاول أن أتشبه بأية أسطورة، حتى وأنا أمر في دروب العديد منها. لم أنته كبطل مثل أبطالها، بل حين وصلت بوابة هدفي، طلبت اللجوء، فيما كان قلبي يتوق لأن أكون مهاجرا. هل يحق للستيني أن يكون مهاجرا؟
مررت، وأنا أسير في عالم قلقي الكبير، بأجمل الدروب التي ما خطوتها قبلا، شاهدت في مدن وقرى ما لا تشاهده عين المهاجر المطرود. خوّضت في شواطئ جزر، تملأ أهلها الدهشة، في غبش الفجر المبكر، وهم يروننا سائرين، ليشيروا إلى درب، نسلكه باطمئنان، ونُسْلمُ أنفسنا لأيدٍ لا نعرف أصحابها، بهدوء الحالم. رأيت من تلال هذه الجزر «الأزرق البحري» الذي أوجعتنا لغة الشعر به، لأكتشف أن ما قيل عنه ليس سوى خربشة ما أقلقت ذيول ثوبه وهي تخط على الرمال والصخور لغة قدره العميق.
عشت، تحت ظلال عالم قلقي الكبير والطاغي، أفراحا لم أتعوذ بعدها من شيء، بل كنت أسير لأبحث عن أخرى، وتركت لعينيّ الحق في رؤية تفاصيل الجمال المتناثر هنا وهناك، والمتمثل بكل شيء.
كلما سرت خطوة، يتلاشى شيء من ظل المطرود، وأجد، بدلا عنه، شيئا من نفسي.
عرفت مدنا ما عادت من الحكايات، بل يمكن أن أصوغ عنها الحكايات. ألقيت على أهلها صباحات الخير بلغتهم، واكتشفت أن بعضا ممن أعرفهم قد أصبحوا من أهلها.
فتحت قلبي لآلاف القصص التي رواها مهاجرون مطرودون وأفاقون ومهربون وسماسرة، وما عدت مندهشا كيف يكتسب المهاجرون صفة من هذه الصفات، ولا يفارقونها.
لست نادما على شيء في هذه الرحلة، ولم أفقد فيها سوى قلقي. لم أزدد حكمة، بل اقتربت أكثر من تفاصيل الحدث اليومي. أردد كل صباح أنني حي، وأسعى بعد ذلك للتعرف على تفاصيل ما يحيط بي.
برلين العظيمة، ليست مربط خيلي، وأشكر الأخطاء المتراكمة التي جعلتني من سكانها، رغم أن ذلك يكلفني الكثير، وبشبابها المتدفق، تذكرني كل يوم بأنني شيخ يسترق النظرات ويتحسر.
ها هو ينتهي. انتهى، وأنا أسير في أول أيام عام آخر. ليست لدي أمنيات، بل لدي مجموعة من الأفكار البسيطة عن أيامي القادمة، قد أضعها على الرف وأستبدلها بأخرى بسيطة مثلها.