من يعيد لنا ثقافة السبعينات؟

694

ياسين النصير/

عشنا ألقنا الثقافي والاجتماعي في السبعينات من القرن الماضي، وإذا كانت الشعوب تفتخر بعقود أو مراحل من حياتها، فنحن العراقيين نقدر كثيرا ما اعطته السبعينات للثقافة العراقية وللمجتمع من أوليات كان يمكن أن تؤسس دولة عراقية مدنية تستثمر كل طاقاتها المادية والبشرية والاجتماعية والثقافية، ففي السبعينات جرى تغيير جذري على كل مرافق الدولة والمجتمع وحياة الفرد العراقي، وأنت تتجول ليلا أو نهارا في بغداد وبقية المحافظات تجد من يسأل ويتساءل، وبالرغم من أن السبعينات ورثت تعقيدات الستينات السياسية والثقافية، إلا أن الشعب فرض حضوره في المشهد المديني العام.
ففي مجال الثقافة، وأشخص نقطة صغيرة في هذا المجال، وهي اصدار ثقافي اسمه” الموسوعة الصغيرة” حجم المطبوع صغير لا يتجاوز 180 صفحة من القطع “الثُمن”، لكن معارفها كبيرة بحيث غطت التراث والحضارة والفلسفة والنقد والعمران والأدب والأغاني والتصوير والفلكلور والحياة المدنية والقوانين والطب والجغرافيا والتاريخ والرياضيات وعشرات الميادين الثقافية والعلمية. وشخصيا احتفظ بعشرات الكتب للموسوعة الصغيرة، كمصادر مهمة للمتابعة والقراءة، فقد كانت خلاصة مركزة للعقول العراقية الكبيرة، وكانت فضلا عن تركيزها تنشئ جيلا من القراء الشباب الذين يتطلعون لقراءة ومعرفة ميادين واسعة عبر مختزلات مركزة ودقيقة، واضيف لما تقدم أنها صنعت أسسا منهجية للمقال النقدي والفني الأكثر سعة من المقال الذي تنشره المجلات، فكانت بنية وسطية للثقافة بين الكتاب والمقال، وهو ما يجعلها مرغوبة من كل المثقفين لاختزالها الموضوعات المهمة ولتركيزها على حاجة المثقف العراقي ضمن سبعينات النهوض الفكري والاجتماعي والسياسي والمديني.
سأختار نموذجا واحدا من اصدارات الموسوعة الصغيرة (الكبيرة) وهو “اتجاهات النقد الأدبي الفرنسي المعاصر” للناقد نهاد التكرلي، فقد قدم فيه مسحا نقديا جماليا منذ بدايات الناقد سانت بيف وحتى مرحلة النقد الجذري لجان بول فيبير، حيث وضعنا المؤلف في مناخ تطور النقد، وبقيت هذه الدراسة المهمة ناقصة، فما فرزته النقدية الفرنسية بعد ذلك كثير وكثير جدا، ونجد أنفسنا بحاجة إلى تتبع متعرجاتها التي أصبحت واحدة من أهم محطات التحول المعرفي والنقدي للنصوص ولرؤيا العالم.
نتساءل أين نحن من مرحلة السبعينات يوم لم يكن لوزارة الثقافة مدراء كثر ووكلاء كثر ولا مستشارون كثر ولامكاتب كثر؟ كنا ندخل بيوتهم الوظيفية من غير استئذان ولا طنطنة سكرتيرات وأموال وصفقات. أعيدوا إلينا ثقافة العراق المفقودة!!.