موت القلب

97

يوسف المحمداوي /

قال عبد الملك بن مروان لسعيد بن المسيب: “يا أبا محمد، أصبحت أعمل الخيرَ فلا أُسرُّ به، وأعمل الشر فلا أساء به”، فقال له سعيد: “الآن تكامل فيك موت القلب”.
الفاسدون الذين نهبوا أموال الدولة وأوصلوا الشعب إلى هذه الحالة البائسة في جميع مناحي الحياة لا يختلفون عن عبد الملك بن مروان في موت قلوبهم وضمائرهم، لذا تجدهم من غير استحياء يتسابقون وباستقتال على جني المغانم لزيادة غناهم على حساب إفلاس وطن ومواطن، حتى وصل الحال بالعراقي المبتلى أن يردّد مقولة كافكا: “لا أستطيع تخليص نفسي من الشعور بأنني لست في المكان المناسب”، وهي تشابه في المعنى هتاف تظاهرات تشرين “نريد وطن” لكوننا لم نألف العراق بهذه الصورة من الظلم والظلام، لتتعاظم الإشارات الدالة على انهيار البلد وسيره صوب المجهول بقيادة بعض اللصوص الذين نشك جميعا بعراقيتهم، وما حصدناه من زرع هؤلاء منذ التغيير إلى يومنا هذا “القتل المبرمج، زيادة عدد العاطلين عن العمل، تزايد نسبة الفقر، زيادة أعداد المجرمين، زيادة نسبة الأمية، زيادة أعداد المتعاطين للمخدرات وتجارها، زيادة أعداد الموتي مع تنوع الأمراض التي لم نألفها سابقا، زيادة أعداد الشهداء؛ سواء بالعمليات العسكرية أو الجرائم الإرهابية، اتساع رقعة الدمار مع غياب الإعمار، تعاظم حجم الواردات مع انعدام الصادرات، شبه انعدام لمفردات البطاقة التموينية، تكاثر مناطق العشوائيات، غياب جسور المشاة، زيادة ساعات قطع التيار الكهربائي، وفرة في المدارس الطينية، اتساع ظاهرة الرشاوى، تكاثر ملحوظ في أعداد المقابر مع زيادة في أسعار القبور لكثرة الوفيات، التَّفنُّن في طرق النصب والاحتيال، نحول عام في تواصل ذوي القربى، تزايد في أعداد الجرائم الأسرية، حشود من المتسولين ترافقها زيادة في ثروات الفاسدين، وووووو.. قوائم من المآسي”، كل هذه النكبات ويخرج علينا بعض هؤلاء الفاسدين ويتكلّمون عن النزاهة والشرف واحترام حقوق الإنسان والتأكيد على إصلاح وإعمار البلاد من خلال تقليص مرتبات الموظفين!، في حين أن أرصدتهم في مصارف الخارج تتزايد من أموال السحت الحرام بعد أن ماتت قلوبهم وقرؤوا عليها سورة الفاتحة وبرأت منهم الآية القرآنية الكريمة التي تقول: “سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ”، لأن هؤلاء اللصوص سيماهم في جيوبهم من أثر الفلوس.