نجوت من الإعدام

19

بيان الصفدي /

عندما كنت طالباً في العراق ظلت علاقتي بالطلبة محدودة عموماً بسبب الوشايات التي تطبع علاقات الناس وقتها، وكنا نعرف أن الكثيرين من الطلاب مخبرون، فقد أشبعوا بفكرة التصدي لكل معارض للنظام، والطريف أن أسوأهم عندي كان طالباً كردياً، ولا أنسى اسمه، إنه “سيروان” الذي كان يلاحقني بهمة وثقل دم، ليقنعني بالتجربة العظيمة!، لهذا لم أختلط إلا للضرورة، خاصة بالسوريين، ومعظمهم أكثر سوءاً ورخصاً، وكنا نرتب سكننا بحيث لا نسكن مع سيئين قدر الإمكان، وكان من عوامل حمايتي أنني مشغول بعملي، وهذا العمل أكسبني هيبة إلى حد معقول بين الطلبة تحديداً.
وأذكر أن بعض الطلاب “المناضلين” جداً حاولوا التقرب مني، فكنت احتال دوماً للابتعاد عنهم، إلى الحد الذي صرت أسمع كلاماً بأنني معارض لتجربة “الحزب والثورة” في العراق، ولم أكن أعلق على ذلك.
لسبب عابر زارنا واحد من هؤلاء السيئين في أيام الحرب، وكان قد صدر مرسوم من مجلس قيادة الثورة نُشِرَ في الصحف، فيه عقوبات على من يهين بأي شكل واحداً من المسؤولين حتى القاضي بعقوبات تبدأ بالإعدام وتنتهي بالسجن ستة أشهر، ومضت أسابيع على استضافتنا تلك، وإذا برئيس رابطة الطلبة السوريين وقتها المرحوم تركي عبيد ومعه الزميل الذي أسكن معه (إ . ح) وهو موجود الآن في سورية يستحلفني بكل مقدساتي ألا يعرف أحد بما سيقوله لأنه خطر علينا نحن الثلاثة، وكان معه الزميل الذي يشاطرني الغرفة في القسم الداخلي، وحكى لي أن الطالب الذي زارنا كتب تقريراً بأنني شتمت صدام حسين وسخرت من الحرب، وأن الله نجاني من الموت لأنهم طلبوا (تركي) والشخص الذي كان يسكن معي فنفيا الموضوع، وكانت شهادة تركي بأنه يعرفني جيداً، وأنني شخص طيب لا أتدخل بأي شيء سياسي، وأحب العراق والقائد والحزب، وقد كانت شهادة الساكن معي حاسمة في طي الموضوع، كم أذهلتني خسة ذلك الشخص! ولم أتعامل معه يوماً بأي شيء، واستوعبت الأمر، ورجاني تركي ألا أظهر أي حساسية لذلك الشخص تدل على كراهية أو أنني عرفت بما فعل، وهذا ما حصل، فصرت أحييه كلما مررت به بعدما كنت أتجاهل النظر في وجهه!.
فاروق أنقذني!
وفي حادثة أقل خطراً من السابقة، سببها هذه المرة قصيدة لي نشرت في مجلة الآداب اللبنانية بعنوان “عشب أخضر”، وبعد أقل من سنتين من عيشي في العراق حصلت جريمة لها رمزيتها في انقلاب الحالة العراقية، فعندما ذهبت إلى العراق أواخر 1976 كانت هناك جبهة وطنية تجمع أحزاباً عدة، ثم بدأ الخلاف يتصاعد مع القوى المناوئة للنظام، ثم جرت حادثة مؤلمة هي الحكم بإعدام 27 شاباً بتهمة عملهم على تنظيم داخل الجيش، وكانوا جميعاً ممن يؤدون الخدمة الإلزامية، فتم إعدامهم كبداية لتصفية تلك الجبهة التي كانت تضغط للحد من طغيان النظام وتفرده بالسلطة، فتحت تأثير ذلك كتبت قصيدة ونشرتها في مجلة “الآداب” وكنت عادة أنتظر وصول المجلة إلى المكتبة الجميلة داخل نادي الجامعة المستنصرية، وذات يوم رأيت اسمي على غلاف العدد الواصل حديثاً كعادة تلك المجلة، وفتحت على الفهرس، فوجدت أن “عشب أخضر” منشورة في صفحة معينة، فتحت الصفحة فإذا بها مقصوصة، بحثت في باقي الأعداد وإذا بها مقصوصة في جميعها، فشعرت بخوف حقيقي، وبدأت أترقب حصول أمر خطير لي.
في اليوم التالي عندما ذهبت إلى مجلتي والمزمار مساء طلبني فاروق سلوم، وسألني عن قصيدة الآداب، وأنه جاءه ضابط أمن يستفسر عني وعن القصيدة، ففيها شهداء ونخل ومنشورات وثوار ودماء وقبعة الجنرال، فأكد له فاروق أنني أتحدث عن الوطن العربي وأن النخلة رمز للوطن العربي عندي، وأن ديواني الأول عنوانه (ويطرح النخل دماً) وأنني من أخلص العاملين في مجلتي والمزمار وهكذا، فقال له ضابط الأمن بعد تلك التوضيحات:
-إذاً سنكتفي بقص القصيدة من العدد فقط حتى لا يساء فهمها!