نهارُك سعيد أيها الوطن المدرسة ..

229

شهد الراوي/

صرت بعيداً عن طفولتك…بعيداً عن سوق السراي جداً، بينك وبينه آلاف الأقلام الملونة والمماحي المعطرة.. بعيداً عن اليوم الأول عندما تغفو في ليلتك تلك وعيونك مثبتة على حقيبة السنة الدراسية الجديدة، تفكر بقميصك المكوي جيداً وتحلم بحظك السعيد حين يهدي لك كتباً جديدة لم يقترب منها غبار الحصار ..

يتفتح صباح يومك مثل وردة جوري في توقيت بغداد الشتائي، بسماء خجولة وحديقة تبللت بالندى تغسل أسرارها الشمس بالضوء.
يالتلك الوجوه البريئة والأظافر النظيفة، الضفائر التي تلتمع عند السابعة صباحاً وخمس دقائق، شرطي المرور الذي غيّر هذا الصباح ملابسه الصيفية مثلما غيرت الأشجار أوراقها يستوقف سيارة يصدح بين أركانها صوت فيروز ..

المعلمة تغيّر لون شعرها، والعصافير تنطلق بزقزقاتها فوق أعمدة الكهرباء، بثرة جديدة نبتت في وجه صديقة، وبثرة قديمة اختفت من وجه أخرى ..سترة المديرة الجديدة وعطرها الفواح في الممرات، وحانوت السندويشات بمذاقها المتجدد، حارس المدرسة وزوجته التي ينعتها الجميع بالفراشة… يالرقتها وهي تخطف من أمامنا كفراشة بريئة لا نتذكرها إلا عند المصائب خفيفة الظل.

علم قديم يرتفع عالياً ونشيد قديم أيضا يصدح من أصواتنا بينما يقرص أحدنا يد الآخر كمناسبة أولى لمشاغبة هذا العام الدراسي الجديد …
الغزل الخجول في ذلك اليوم البعيد، حين كانت جملة “شطالعة اليوم” مازالت تراوح في مكانها بين طريق البيت والمدرسة معلقة في هواء الذكريات، تفتش عن مستقبل كل هؤلاء المارّة الأبرياء مثل صباح بغداد .. تسأل عن مصائرهم التي لم تكن تشغلهم أبداً وهم يستسلمون لدرس الأدب والنصوص وقواعد اللغة ..

صحوت هذا الصباح ورأيتهم في الطريق الى المدرسة وها أنا معهم أمضي في طريق الحياة بشوارعها البعيدة ..

تحسست ضفيرتي وجاوبتني دمعة مسحتها بيد، ولوحت بالأخرى الى طفلة تشبهني بشرائط حمراء تغني في الطريق مع صديقتها ورأيت مدرستي وصفّي ومعلمتي ورَحلتي ورفعت يدي للجواب …

أريد طبشوراً أبيض أكتب فيه على سبورة السماء : صباح المدارس يا أطفال العراق ..

صباح الخير أيتها النوارس العائدة الى دجلة.

نهارك سعيد أيها الوطن المدرسة ..