نهاية الإرهاب وانتحار الطائفية والتطرف

252

د. علي الشلاه/

مع تصاعد موجة الانهيارات الإرهابية في المنطقة، وتبرؤكل الحكومات والأشخاص منها، حتى أولئك الذين وظّفوها ودعموها ورعوها في الماضي، فأن عملية المراجعة المطلوبة اليوم.. عملية صعبة مثقلة بالتبعات والأحقاد والدماء النازلة إلى الأرض والصاعدة إلى السماء لضحايا أبرياء يشكلون خسارة غير مبررة لمجتمعات منكسرة.

مليارات بل مئاتها صرفت على هدم الدول والمجتمعات بدل بنائها واعمارها وتنميتها، وحين اندحر المخطط بدأ الجميع بالقفز من السفينة الغارقة.

ولكي نكون قادرين على انهاء هذه المأساة وتبعاتها وضمان عدم تكرارها، فأن على الدول التي دعمت الإرهاب والإرهابيين أن لا تكتفي بالتنصل مما حصل والمساعدة الشكلية بالاعمار بل عليها القيام بذلك بشكل جدي فاعل أولاً، وأن التنصل من الإرهاب وتبعاته لا ينبغي أن يستثني جذوره التي أنتجته، بدءاً بالفكر التكفيري الطائفي الذي انتجته المدرسة الوهابية في شبه الجزيرة العربية ومثيلاتها في المذاهب الإسلامية الأخرى دون استثناء تلك المدارس التي حولت الإسلام إلى سيارة مفخخة يقودها إرهابي جاهل يتوق إلى الغداء مع النبي بقتل أخوته وأطفالهم.

أن أول بوابة يجب أن تفتح اليوم هي بوابة التسامح الإسلامي، وقبول الاختلافات الفكرية الرصينة داخل البيت الإسلامي الرحب، وأن أول من ينبغي عليه أن يقوم بذلك هو المدارس المذهبية المتطرفة، وعلى الدول التي تريد القيام بذلك فعلاً أن تتخذ قرارات شجاعة مبنية على عدم التهاون مع فقهاء الظلام وفتاواهم، ولا نكتفي بالخطابات التي تبشر بالقضاء عليهم دون فعل حقيقي، لاسيما في البلدان التي تتكون من مجتمعات متنوعة مذهبياً ولديهاتبنٍللفكر المتطرف رسمياً، كالمملكة السعودية التي استمعنا إلى خطابات ولي العهد فيها، والذي وعد بمحاربة التطرف بقوة، لكنه لم يمض إلى الجانب الفكري في ذلك التطرف بل بالجانب الاجتماعي من مظاهره، فالسماح بقيادة السيارات للنساء وحضورهن إلى ملاعب كرة القدم أثناء المباريات، أمور ايجابية اجتماعياً وربما تسهم في تقليل التوجه إلى التطرف لدى الشباب، لكنها لا تغني عن القرارات الرئيسة التي ينبغي اتخاذها وأولها حقوق المكونات الأخرى ومدارسها الفكرية والمذهبية.

أن قراراً صائباً يصدر في المملكة اليوم ينهي وصاية المتطرفين وهابياً على باقي المذاهب الإسلامية، ويسمح بممارسة العقائد والشعائر الدينية بحرية مسؤولة دون اساءات للرموز الإسلامية هو المطلوب الآن، ولتكن البداية من بقيع المدينة المنورة بإعادة بناء القبور المحترمة لآل الرسول وأصحابه، تلك التي هدمت بقرار طائفي بغيض أدى إلى احتقان العقول والقلوب، وأجزم أن ذلك ما تحتاجه الحالة الجديدة في المملكة لتثبت جديتها.

أن نهاية الإرهاب يكون بانتحار الطائفية والتطرف، وإلا عاد من جديد في أزمنة أخرى وأمكنة أخرى ولن يكون بوسع أحد الخلاص منه وإن كان بعيداً عنه.. فكراً ومكاناً.