نوروزيات راقصة!

109

حسن العاني  /

لأغراض بلاغية طريفة يقال: يولد الأبناء على ضفاف الأنهار وهم يجيدون السباحة، ويولدون في الأهوار وهم صيادو سمك ماهرون، ويولدون في الصحراء وهم أهل جود وكرم، أما في كردستان العراق فيؤدي الأبناء الدبكة الكردية وهم في بطون أمهاتهم، لا فرق في ذلك بين الإناث والذكور!
أنجبَ هذا التعلق الشديد بين أهلنا الكرد وبين دبكاتهم جملة من التقاليد الثابتة، منها أنّ هذا الرقص الفولكلوري بات رفيق الناس في أعراسهم وأفراحهم وسفراتهم المحلية في ربوع كردستان، وفي مناسباتهم السعيدة، خاصة عيد نوروز واحتفالاته.. ومنها وهو الأهم في تقديري، أن مشاركة الآخرين في دبكات الأعراس تحديداً تُعدُّ (فضلاً) أو (ديناً) واجب السداد.. أرقصُ اليوم في مناسبتكَ، ترقص غداً في مناسبتي.. علماً بأن المشاركة على أهميتها الاعتبارية ليست بديلاً عن تقديم الهدية!!
منذ تموز 1970، وإلى بضع سنوات خلت، لم انقطع عن زيارة كردستان، سواء للعمل الصحفي أم لأغراض السياحة والاصطياف، ولأنني رجل متحضّر، كنتُ حريصاً على اصطحاب زوجتي في زياراتي جميعها.. وفي أي فصل من فصول السنة، بما في ذلك رحلات العمل الصحفي، لأنَّ ذلك هو السبيل الوحيد كي تتوقف عن ولولتها وطلباتها التي لا تنتهي وتقريعها المرّ لأنّ (فلانة أخذها زوجها وسافرا إلى القاهرة، وفلان اصطحب زوجه إلى لبنان وفلانة أمضت الصيف مع زوجها في تركيا وفلان.. وفلانة!!)، ولكوني لست فلاناً، ولا أقدر على مدّ قدميّ خارج لحافي، كنتُ أطفئ غضبها واشتري سكوتها بسفرات بسيطة داخل حدود الوطن الجميل..
في صيف يعود إلى ثمانينات القرن الماضي، سافرنا معاً كالعادة، وكانت وجهتنا (شقلاوة) لكتابة مجموعة تحقيقات صحفية تغطي طبيعة الحركة السياحية في هذه المدينة، وشاء حسن الحظ أنّ إحدى عوائل شقلاوة المرموقة اجتماعياً ومالياً على ما يبدو، كانت تقيم حفلاً ضخماً لابنها العريس، وقد تجمَّع المئات للاستمتاع بالدبكة والمشاركة فيها كما تقضي الأعراض والتقاليد..
طوال عمري وأنا اتمنى امتلاك حريتي، ومشاركة الراقصين عامة والراقصات خاصة دبكاتهم.. ولكن كيف يمكن تحقيق هذه الأمنية ومَنْ يمنحك الحرية، وبأية معجزة تأتي الشجاعة، وعين زوجتك ترصد عينيك إذا زاغتا، ووجهك إذا مسّهُ الفرح.. وهي في ذلك كله تخضع لقانون النسوان الحتمي ومفاده: (الرجال مجموعة من الخارجين على القانون)!!
في هذه المرة، يستحق الموقف الماثل أمامي تضحية من نوع خاص، مثلما يستحق استحضاراً (للرجولة) المعطّلة، فالجمال الذي تحتكره تلك الشابة التي أثارت غيرة النساء وخوفهن، وندم المتزوجين وحسرتهم، كانت تستنفر بطولتي ولو مرة واحدة في الحياة.. ومن دون استئذان زوجتي، توجهتُ إلى الحلقة مستثمراً قانون السماح الذي يجيز لي اختبار أي مكان أو موقع، واقتربتُ من الشابة التي لم يخلق مثلها في العباد، وبصورة طبيعية وضعتُ كفّها في كفي، بعد أن فصلتُ كفها ويدها وكتفها عن الكائن المجاور لها، وواصلتُ الدبكة وأنا في قمة الانتشاء بحيث اندمجتُ في (الجو) بإحساسي وعواطفي وعقلي ومشاعري إلى الحد الذي نسيتُ نفسي (أحدهم حاول فصل يدها عن يدي فلم أسمح له، متناسياً قوانين الدبكة)، حتى إذا انتبهتُ.. رأيت الحضور يصفقون ويطلقون الزغاريد بمن فيهم الراقصون والراقصات الذين انضموا إلى الجمهور.. وأنا الوحيد في الساحة الذي أؤدي (الدبكة العربية) على إيقاع (الموسيقى الكردية) وإلى جانبي زوجتي وهي تشاركني الدبكة.. ماذا حصل؟ لا أدري.. وما زلت أجهل كيف غابت الشابة وكيف حضرت الزوجة و.. وكيف جرت الأمور.. بالطبع فضلتُ عدم الاستفسار منها وكأنّ كل شيء تم بقدرة قادر!!