هكذا أصبحت “أعظم” ناقد

336

حمزة مصطفى/

ذات يوم في ثمانينات القرن المنصرم، وفي ذروة الحرب العراقيةـ الإيرانية، وبعد وجبة دسمة من «كبة السراي»، التقيت من قدم نفسه لي على أنه شاعر شاب. كان مملوءاً غروراً وزهواً بما عدّه منجزه الشعري. ماهو منجزك الشعري؟ سألته .. أراني نسخة من مجلة «الطليعة الأدبية» التي كانت تصدر آنذاك والتي تعنى بأدب الشباب. تضمن العدد قصيدة له. كنت وقتها «مخبوصاً» بالنقد الأدبي. «أتريك» إحسان عباس, وأتغدى رولان بارت, وأتعشى قدامة بن جعفر.

الشاعر الشاب طلب مني أن أبدي رأيي الصريح بقصيدته. قرأت القصيدة على عجل وأنا أرتشف الشاي في مقهى الشابندر. حين انتهيت التفتُّ إليه قائلاً.. تريد نصيحة «أخوية» لو «نقدية»؟ استغرب السؤال قائلاً وما الفرق؟ قلت الفرق كبير.. النصيحة النقدية أن «أهنبل» برأسك شويّة حول الصورة والرمز واللغة ومن «هاي الكلاوات». قال والأخوية؟ قلت له .. تترك الشعر نهائياً «وتشوف لك شغلة» أخرى تأكل من ورائها خبزاً.
استفزته نصيحتي الأخوية لا النقدية. مع ذلك تقبل الأمر على مضض وخرج من المقهى لاعناً اليوم «الأكشر» الذي رأى فيه ناقداً مثلي. بعد نحو عشر سنوات، وفي ذروة الحصار على العراق أيام التسعينات، وبينما كنت أسير في شارع الرشيد قاصداً مقهى حسن عجمي حيث تجمعنا اليومي تقريباً، وإذا برجل مهندم تماماً ومفاتيح السيارة تلوح بين يديه يتقدم مني مصافحاً إياي بحرارة. بادلته التحية بأحسن منها، بادرني قائلا .. هل عرفتني؟ أجبته «لا والله ولا زغراً بيك». ابتسم ابتسامة المنتصر وهو يقول لي .. تدري انت صاحب أكبر فضل علي؟ ازداد استغرابي، لكنه لم يدع لي فرصة حتى أكمل قائلاً.. هل تتذكر أنك التقيت شاعراً شاباً وقد قدمت له نصيحة أخوية لا نقدية ذات يوم؟ تذكرت الواقعة التي لم تكن مهمة بالنسبة لي لكنها في غاية الأهمية بالنسبة له لأنها أحدثت أكبر تحول في حياته.

قال: أخذت بالفعل بنصيحتك وتركت الشعر وتحولت الى التجارة وها أنا اليوم رجل أعمال أملك بيتاً وسيارة وفلوساً. بقيت ساكتاً وتركته يكمل .. لو لم آخذ بنصيحتك وبقيت شاعراً لكنت الآن .. لم يستطع إكمال الجملة حيث أخذته موجة من الضحك. أحسست أن سخريته وصلت الى امرئ القيس والمتنبي والشنفرى والبحتري والجواهري ومحمد الماغوط والسياب وحسين مردان وجان دمو. لكن الأهم ادركت حينها أنني «أعظم» ناقد .. أحول الشعراء الى رجال أعمال بنصيحة أخوية.