وجعٌ وجنون عراقي!

368

جبار عودة الخطاط

( 1 )
لفتني يوم أمس منظر رجل ستيني (مجنون) يعتمر كوفية مهترئة.. الرجل كان يحمل بيده مكنسة طويلة، يسندها على كتفه الأيمن، ويمشي بسرعة غريبة، ما يلبث أن يتوقف بين الفينة والأخرى ليكنس بمكنسته قطع القمامة التي توزعت على رصيف الشارع المؤدي لساحة الأندلس.. ثم يمضي في سبيله ليعاود كنس ما يجده أمام ناظريه بسرعة فائقة، وهو يتمتم بعبارات لم أسمعها.. تساءلت مع نفسي هل باتت بغداد بحاجة الى مجانين كي تنفض عن وجناتها ما تركه (العقلاء) من نفايات تناثرت هنا وهناك، لتعلن للملأ انحسار مساحة الذوق بين ظهرانينا.. أجزم أن هذا المجنون الرائع أكثر استشعاراً بقيم الجمال التي يبعثها في النفس منظر الشارع، وهو ينفض عن نفسه ركام القمامة التي جثمت على صدره بشكل مخيف!.. ثم ما هو الحد الفاصل اليوم بين الجنون والعقلانية فيما بتنا نعيشه اليوم من تراجيكوميديا انفتحت على مختلف مناحي حياتنا لتترك عليها ظلالاً ثقيلة من الوجع والغرائبية والجنون!

بغداد اليوم بحاجة الى جنون من هذا القبيل لتمسح عن وجناتها تراب وأوساخ (عقلاء القوم) ممن استهانوا بجمال بغداد واشبعوها جلداً بقاذوراتهم.. الجهات البلدية التي تخلت عن واجباتها.. والناس الذين تأقلموا مع القمامة ولم يكلفوا أنفسهم تنظيف المساحات التي تقع أمام محالهم وبيوتهم.. فيالهذا المجنون الرائع ويا لتعاسة (عقالنا الذين لم تلتفت أرواحهم لبكاء بغداد الصامت وهي تئن تحت الخراب الكبير.!

( 2 )

*طفل عراقي متفحم يغفو بوجع كوني هائل إغفاءته الأبدية بين يدي والده الذي احتضنه بقوة وهو يجهش بالعراق!

* عامل عراقي مكرود قصد ساحة المسطر ليحظى بسانحة عمل تمكنه من جلب ما يسد به رمق عائلته التي انتظرته ليأتيها جسداً ممزقاً محترقاً قطّعت أطرافه!

*امرأة خرجت لتجلب لأطفالها بضعة أرغفة خبز ليكتمل إفطار العائلة فكانت طعماً او رغيفاً سهلاً لشذاذ الإرهاب والبعث فيبقى أطفالها يتضورون حزناً وجوعاً إليها!

* عجوز عراقي طاعن بالحزن مشى متكئاً على عكازه ليتسلم (خلالات العبد) المتمثلة بمرتبه التقاعدي، فكان أن تقاعد عن الحياة دون أن يلمس الزيادة المنتظرة على راتبه الميكروسكوبي ومضى بيوم دموي آخر!

نبقى وقود مهرجانات الموت المجاني العراقي اليومي ورحم الله الكاطع حين صرخ ذات لوعة:

«منهو بحالنه احنه المساكين؟

احنه المحد النه..المدري امنين!»