وزر جلجامش

338

نرمين المفتي /

تقول الاساطير ان عشتار الهة الحب، كانت تعشق الابطال، ولانها الهة، لم يجرؤ اي بطل على رفض عشقها الا جلجامش، فقد حاولت معه واشتكته الى والدها الا انه المغرم بالخلود والباحث عنه، اصر على موقفه و رفضها لتخترع عشتار الحرب وتكون الهة لها.
ابتكرت الحرب، لتختار من كل حرب بطلا و ذهب جلجامش الى اوتنابشتم بعد ان مات انكيدو سائلا عن عشبة الخلود التي سرقتها الافعى، ونسيته عشتار التي كانت مستمرة في حروبها.
وانتهى جلجامش الى اسطورة وانتهت عشتار الى منحوتة رائعة معلقة على جدار متحف بينما استمر ابتكارها الحرب حاصدة الاحلام والرجال، وصانعة الابطال الذين يتحولون في لحظة البطولة الى صورة على حائط بشريط اسود.
انظر الى ارملة شابة تبيع المناديل الورقية عند اشارة مرور لا تعمل، يغرق العرق وجهها ولا تجرأ ان تسحب منديلا لتمسحه كل منديل محسوب عليها، تدخل حبات العراق في عينيها و تدمعان.
واين هو جلجامش ليأت، ليلمس بنفسه ماذا ارتكب برفضه عشتار وكيف حمّل المرأة وزر هذا الرفض، ويصرخ جلجامش من داخل ملحمته “انا لا وزر لي، كنت صاحب قرار، رفضت عشتار وحروبها وفيما بعد رفضت الحروب كلها، كنت صانع حياة ومغامرة الى ان فاجأني الموت بخطف انكيدو “.. و يردد مقتنعا : “إن الموت قاس لا يرحم
هل بنينا بيتاً يدوم إلى الابد؟
هل ختمنا عقداً إلى الابد؟
وهل يقتسم الاخوة ميراثهم ليبقى إلى آخر الدهر؟ الفراشة لا تكاد تخرج من شرنقتها فتبصر وجه الشمس حتى يحين أجلها “.
تقول الارملة الشابة التي جعل ملح العرق والدمع عينيها حمراوين ” اذن كان زوجي فراشة اختطفته يد الحرب لم تعرف الحياة و الحب “، يصرخ جلجامش من صفحة اخرى من ملحمته ” بل انت الفراشة ايتها الارملة الساعية الى الرزق لتفرح صغارها “.
لكنني ما ازال مقتنعة برأيي يا جلجامش، ان المرأة عامة والعراقية خاصة تتحمل وزر رفضك لعشتار. وهذه المرأة التي حملتها وزرك تنهض كل يوم من رماد حلم لم يكتمل لتصنع الحياة لحظة بلحظة.. سئلت يوما كيف هي الحياة في ظروف صعبة مثل التي نمر بها في العراق؟ و كان جوابي بأنني صباح كل يوم اخترع احلاما صغيرة اتمسك بها لصبيحة اليوم التالي وهكذا تمر الايام التي اصبحت سنوات وعقود واضع وزر جلجامش خلف ظهري وانظر الى مغامراته وحبه للحياة وبحثه عن الخلود الذي حققه بالحياة التي قررها لنفسه.
على جدار المتحف، منحوتة غير متكاملة لعشتار، وجه يبتسم من خلال عينيها.. عينان تشبهان عيون العراقيات، عيون تلك الارملة الشابة، عيون تضع الحزن في زاوية من القلب و تكتحل ببعض امل.
عيون تقول ان عشتار لم تخترع الحرب لأجل بطل ما، انما اخترعته لتدافع بها عن حب يصنع حياة..