وطن للفن

123

سعاد الجزائري /

أكثر شعب يستخدم (عبارة الوطن للجميع) هو العراقي، فهل سبب ذلك أن وطننا ليس لنا جميعاً؟! أم أننا نشعر أن الوطن بكل ما فيه يتسرب كالماء من بين أصابعنا، وربما لنؤكد لأنفسنا وللآخرين أن الوطن ملكنا جميعناً، وهو العائلة الأوسع والبيت الكبير الذي لا نشعر بكينونتنا الا تحت سقفه…
لذا فالأماكن العامة والشوارع بساحاتها ليست ملكاً لأحد أو تحت وصاية جهة، وعليه لا يحق أن يفرض هذا الأحد ذوقه على العامة، لا سيما اذا لم يكن يمتلك رؤية فنية أو عمرانية أو يفتقر إلى صفة احترام ذوق الآخرين..
قبل مدة كتب الفنان الصديق يوسف الناصر على صفحته موضوعاً يتعلق بالنُصب والتماثيل (الكارثية) التي بدأت تتوسط شوارع وساحات مدننا، ودعا الناصر الى ضرورة الاحتفاظ بهذه الكوارث “الفنية” لتكون شاهداً على رداءة الزمن الذي أنتج هذا السوء.
وهنا تذكرت افتتاح أحد المسؤولين بالعراق نافورة صُنعت من (سطل) بلاستيك، وحوله انتشر حجر ملون بألوان رديئة.
في أوروبا مثلاً، لا يُغير تصميم ساحة، أو تُقطع شجرة أو يُوضع نصب الا بعد موافقة سكنة المنطقة، وذلك بأن توجه بلدية المنطقة رسائل إليهم، تستطلع آراءهم بشأن التغيير الذي سيُجرى.
وأيضا لا يجوز التعدي على الطبيعة أو أشجارها المعمرة حفاظاً على البيئة، فكم من رصيف وشارع تغيّر مساره كي لا تُقطع شجرة أو تُجفف بحيرة صغيرة، أو يُساء إلى عمران أثري.
لا أريد أن أخوض في الأمر الأكثر إيلاماً، الا وهو البيوت والأماكن التراثية التي هُدمت لتتحول الى دكاكين أو مولات اختنقت بها عاصمتنا التي بدأت تدريجياً تفقد معالمها التراثية، وغُطيَت المباني القديمة الجميلة التي تحمل روعة العمران عندنا، بمادة لامعة تشبه بوابات الملاهي.
هل يصعب وضع ضوابط تحافظ على هوية تراثنا، وعلى جمال المنحوتات التي تركها لنا الكبار أمثال جواد سليم ومحمد غني حكمت… وغيرهما؟
ومَنْ سمحَ لأعمال لا علاقة لها بالفن أن تعلو فوق قهرنا وتُفرض قسراً على الذوق العام.
رغم كل الويلات التي مرت، لكننا البلد الذي لم يتوقف فيه المبدعون عن الانتاج بتواصل وإصرار عجيب، حتى القهر والجوع والظلم قالوه رسماً ونحتاً!
الا يمكن أن يختار هؤلاء المبدعون النُصُب التي تليق ببلد ارتقى فيه الفن التشكيلي الى المستوى العالمي، وأن يكون القرار والاختيار لهم وليس لمسؤول يفتتح نافورة بلاستيكية..
ترى هل نتفق مع الصديق يوسف الناصر ونحتفظ بتمثال الأسد المرعوب أو الحمامة التي بدت وكأنها صحن سلطة في الفضاء، لتكون شاهداً على ما وصل إليه الذوق مقارنة بأعمال نفتخر أنها رمز لنا مثل نصب الحرية، الذي صار جزءاً من هويتنا الثقافية.