يوميات لندن (1)

325

عواد ناصر/

لندن مدينة ديناميكية ويومياتها غنية تحتاج كتاباً كاملاً بعيني عراقي هارب من القمع “الوطني” منذ عام 1979، ولم يزل مندهشاً في هذه المدينة منذ أكثر من ربع قرن وهي تفاجئه بنظام حياتها اليومي، كل يوم، وهو نظام حياة مركّب ومتشعب من المستحيل الإحاطة به، لذا سأقتصر على ما يجعل البريطانيين يضحكون من دهشتي لأنهم لا يَرَوْن في مدينتهم ما يستحق الدهشة.

ما أن تخرج من بيتك اللندني حتى تتلقفك مئات الكاميرات منذ أول كاميرا عند تقاطع الشارع الفرعي المؤدي إلى محطة مترو الأنفاق التي لا تبعد عن البيت أكثر من عشر دقائق مشياً، ثم تلتقطك كاميرتان، أو أكثر، حسب ما تمر به من تقاطعات فرعية، لتستلمك كاميرا المترو. داخل محطة المترو كاميرا في كل عربة، وهكذا حتى بلوغ هدفك ولنقل هو مركز العاصمة.

لهذه الرقابة المركزية جانبان: إيجابي لحماية النظام العام والأفراد ضمناً، من التعرض للجريمة، أو لمخالفات المرور، وسلبي لأنه يضع «الرجل الصغير/حسب كتاب ويلهلم رايش» تحت رقابة «الأخ الأكبر» حسب تعبير جورج أورويل في روايته -1984-. ثمة صور غير منظورة، بل تبدو من ذاك النوع الذي يجعل البريطاني يضحك مني لأني أشير إليها، مثل: تلك “النزلة” التي لا بد منها عند حافة الرصيف لتسهل نزول شخص مقعد على كرسيه ذي العجلات كي يعبر الشارع نحو الرصيف المقابل المزود، هو الآخر بـ»نزلة» مشابهة لما قبلها.

لكبار السن تسهيلات أخرى عند تنقلهم: المقاعد الأربعة القريبة من باب الصعود إلى الحافلة مخصصة لكبار السن، ومعهم النساء الحوامل ومن يحملن أطفالاً رضعاً. يحدث أن يجلس شخص شاب كسول على أحد هذه المقاعد لكنه سيتخلى عن المقعد ما أن يرى شخصاً مسناً أو امرأة حاملاً، أما إذا “غلّس” فللمسن أن يطلب منه التخلي عن المقعد وسط نظرات استهجان من بقية الركاب تجاه ذلك الشاب. حدث أن نسيت بطاقتي الألكترونية للنقل العام، وهي مجانية لأني تجاوزت الستين، فما أن أدرك سائق الحافلة مدى حرجي حتى أشار لي برأسه أن اصعد!
طبعاً، لم تعد النقود، معدنية أو ورقية، تستخدم في باصات النقل العام مما وفّر جهداً ووقتاً كبيراً للسائقين والركاب معاً.

في كثير من مناطق لندن وضعوا منذ سنتين، تقريباً، حاويات خاصة للمدخنين على الأرصفة، حيث المسافة بين حاوية وأخرى لا تتجاوز العشرين متراً، وذلك للحد من رمي أعقاب السجائر على الأرصفة، ويرافق هذا، في بعض المناطق، موظفون من البلدية يراقبون المدخن الذي يرمي عقب سيجارته على الرصيف ليحرروا له عقوبة مالية يستحيل عليه الامتناع عن الدفع وإلا سيخضع للحجز. هذا جزء يسير جداً من يوميات مدينة عظمى تعج بكل ما هو جديد من العلوم والآداب والفنون عدا الحياة السياسية والأمنية والاجتماعية.

تلكم كانت مشاهداتي، أنا العراقي الذي كان يخاف حتى من شرطي المرور، وهي مشاهدات في الطريق إلى المكتبة المحلية التي ستكون موضوع عمود/أو مقال كجزء ثانٍ لـ “الشبكة”.