105 %

34

د. حسن عبد راضي /

صُممت أنظمة التربية والتعليم وجُعلت غايتها الأولى والأهم إيجاد الآلية المناسبة لنشر المعارف في المقام الأول، وتأهيل النشء الجديد على وفق ميولهم ومدى تفوقهم في علوم وتخصصات معينة لينخرطوا في الدراسة الجامعية المناسبة، وبذلك فقط تُستدام حركة المجتمع ونموه المطرد، فلا يحصل نقص أو خلل في قطاع ما من قطاعات الصناعة أو الزراعة أو الصحة أو التعليم أو اي قطاع حيوي آخر، ويقف وراء هذه السيرورة المعقدة من البناء المعرفي والتنظيمي خطط تعدها الدولة تتناسب وحجم الزيادات السكانية والأعداد المتوقعة من الطلبة الجدد من جهة، وحجم احتياجات البلد من التخصصات المختلفة من جهة أخرى.
فما الذي حدث عندنا منذ أوائل التسعينيات حتى يوم الناس هذا؟ لقد انهار النظام التربوي والتعليمي، منذ أن أُجبرت الملاكات التعليمية على العيش تحت أعمق نقطة من خط الفقر، وأسهمت الدولة آنذاك، وتُسهم اليوم في مراكمة الفشل في التخطيط وفي اتخاذ أسوأ الخطوات الممكنة التي أودت بمستوى التعليم في العراق إلى أن يصبح في عداد أسوأ أنظمة التعليم في العالم، بعد أن كان في نهاية السبعينيات واحداً من بين الأفضل إلى جانب فنلندا ودول متقدمة أخرى، وكان يعد الأفضل في المنطقة العربية برمتها.
إن قراءة سريعة للتراجع المخيف في حجم الإنفاق الحكومي على التعليم منذ منتصف الثمانينيات والعودة الانفجارية للأمية لا سيما بعد عام 1991 تعطينا فكرة واضحة عن أصول المشكلة، التي تفاقمت بعد 2003 أكثر من جراء غياب الرؤية الحقيقية لأهمية التعليم، ناهيك عن انعدام الخطط والتخبط الواضح في سياسات التعليم، والتحول القيمي لدى طرفي المعادلة التعليمية، فلم يعد كثير من المعلمين يتمتعون بالقدرات والمهارات وسعة الأفق التي كان يتمتع بها معلمو ما قبل الحروب، كما أن كثيراً من الطلبة وأهاليهم لم يعودوا كما كان أهلنا في السابق مؤمنين بالعملية التعليمية النزيهة، وصار الأهم لديهم نجاح أبنائهم، وليس مهما كيف يحدث ذلك.
إن إعلان نتائج السادس الإعدادي بالنحو الذي ظهرت عليه الدرجات قد يبدو في ظاهره أمراً جيداً وأن ثمة تقدماً في المستوى العلمي للطلبة، لكن قراءة حصيفة للواقع تقول غير ذلك، وتقول أيضاً إن حصول أكثر من 600 طالب على الدرجة الكاملة يثير كثيراً من الريبة، ناهيك عن آلاف الطلبة الذين عبروا عتبة الـ98% وهم يحلمون بدخول الكلية الطبية، فثمة مشكلة آتية سنخوض فيها طويلاً حين يأتي استحقاق القبول في الجامعات، وحين ستقبل الكلية الطبية مثلاً من لديهم معدل 105% وهو معدل غير موجود في أي نظام تعليم في العالم، كما أنه مجحف كثيراً لأنه يحرم من حصلوا على 100% بجهد حقيقي من المنافسة أو في الأقل يحرمهم أدبياً من مجدهم الدراسي.