العَكَنْكَعُ والكَعَنْكَع

669

جمعة اللامي /

“إيقاف النقد، يعني أن نموت”

(فولتير)

رأيتُ أني رأيتُ أحد زملائنا في الرؤيا مثل يعسوب النحل، فتذكرت ـ بعدما صحوت ـ قول الإمام علي بن أبي طالب: “أنا يعسوب الدين”، ففكرت مليّاً ، وجلت ببصري كَرَّة وكَرَّتين، حتى تذكرتُ تجاريب الحكماء في الأقوال والأمثال، وأعاجيب مخلوقات الله في الحشرات، ومنها النحل. واليعسوب، ذكر النحل. وقد اختصته العرب بصفات عجيبة. وما ذاك إلا لعجائب هذا المخلوق الطائر، الذي يطير سريعاً، ويهبط سريعاً وإذا ما هبط فإن جناحيه يبقيان منفردين. وهو ماهر في كل شيء. وأقرب هياكل المخترعات الطائرة إلى اليعسوب، الحَوّامة أو الهليكوبتر. فإذا رأيت جسداً حديدياً قادراً على هذه المناورة العجيبة، فما قولك بحشرة طائرة كان العرب يطلقون عليها اسم: أمير النحل؟.
وسألني غريب المتروك(**): “من تراه يعسوب الكلمة في زماننا هذا؟” قلت: “يا غريب في زماننا هذا يوجد “يَعاسيبُ” للكلمة في كل مصر من أمصارنا، وفي غير مؤسسة ثقافية وإعلامية، ولكنَّ المنبهرين بثقافة العولمة، لا يرون سوى: العَكَنْكَعُ”.

قال: وما العَكَنْكَعُ ، أطال الله في عمرك؟

قلت: هو ذكر الغيلان. وقد يقال أيضاً: الكَعَنْكَعُ

هَأْهَأَ “المتروك”: هَأْ، هَأْ..

قلت: و”: الكَعَنْكَعُ شيطان، حسب أحد الفقهاء العرب. أما العَكَنْكَعُ، فهو الخبيث من السعالي، حسب تصنيف “الأزهري”، وقانا الله، مع العرب والمسلمين عامة، ومعهم أبناء البشرية طرّاً، من كل كَعَنْكَعُ في ميدان الكلمة. ضحك المتروك، وضحك، حتى إستلقى على قفاه وهو يقول: “لا بورك في كل كَعَنْكَعِ”. قلت: “بل بورك في يعسوب الكلمة، بل في يعاسيبها في كل زمان ومكان”.

انفرجت أسارير صاحبي، وتيقنت أنه إستعاد أسماء شهداء الكلمة وتصويراتهم في تاريخ البشرية، ثم رأيت إلى وجهه، فرأيت أني أرى وجه أحد أصحابي الذي قضى شهيداً في سجن “الدكتاتور”، فقال المتروك: “هل رأيت صاحبك؟”.

قلت: نعم، وكان قد كتب ذات يوم: “يعسوب الكلمة في كفة، ويعاسيب المال والظلم والجور في كفة أخرى”.
واليعسوب، الذهب.

ونعم الإنسان كلماته الذهب. ونعم الذهب المُصفّى، يسير في الأسواق، برغم أنه تحت الثرى.