أنبوب نفط البصرة – العقبة نيران الجدل قد تلتهم الحقيقة!

57

“مجلة الشبكة العراقية” /

يشتعل جدل سياسي اقتصادي كبير بشأن مسألة مد أنبوب لنقل النفط من البصرة الى العقبة، ومن ثم الى مصر، وسط معلومات ضبابية تتعلق بكلفة المشروع ومسائل أخرى تغيب عنها الشفافية والدراسات التي تضع مصلحة العراق أولا.
المشروع الذي وافق العراق عليه عام 2013، يعود الى عام 1983 عندما اتفق البلدان على مد أنبوب يمتد من البصرة إلى ميناء العقبة على البحر الأحمر مروراً بالأراضي الأردنية، وعاد المشروع إلى الواجهة في زمن حكومة المالكي عام 2012، ووافق مجلس الوزراء عام 2018 في عهد رئيس الوزراء الاسبق حيدر العبادي على إحالة المشروع إلى (شركة ماس العراقية القابضة) لتنفيذه داخل الأراضي الأردنية وبطريقة الاستثمار، لكن العقد لم يوقع.
وعاد المشروع عام 2019 في زمن حكومة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، التي أكدت أنها ستعيد النظر بدراسة جدواه الاقتصادية بشكل كامل، بحيث يكون إيصال الخط إلى مصر بدلاً من انتهائه في العقبة.
لكن الحديث عن المشروع توقف بعد أن تحولت منطقة كبيرة يمر بها الأنبوب الى إحدى أخطر المناطق في العالم، وذلك بعد احتلالها من قبل تنظيم داعش الإرهابي، غير أنه لم يسقط من حساب البلدين ولم يوضع ملفه على الرف، مع أن العديد من الخبراء يؤكدون انه لم يحظ بدراسة مهنية لجدواه السياسية والاقتصادية للعراق، بل ظل مشروعاً قائماً وحاضراً في فترات كل حكومات ما بعد 2013، حتى أعلنت حكومة الكاظمي، وهي حكومة تصريف أعمال، عن رغبة قوية لوضعه موضع التنفيذ.
هذا الإعلان صعّد من حدة الانتقادات الموجهة الى الحكومة، وانقسم خبراء الاقتصاد، قبل الجهات السياسية، إزاء أهميته. وكان من الطبيعي أن تثير كلفة المشروع الباهظة أسئلة عن جدواه الاقتصادية، وما إذا كان مهماً الى درجة أن يحظى بالأولوية في اهتمامات الدولة، وما الذي سيترتب عليه لو تجاهله العراق؟
لم تنجح الحكومة، منذ الإعلان عن الاتفاق بين الحكومة العراقية السابقة برئاسة عادل عبد المهدي والحكومة الأردنية في عام 2019، في إقناع المنتقدين والخبراء والعراقيين بجدوى هذا المشروع،
ولم تصدر عن الحكومات إجابات مقنعة على تساؤلات الخبراء.
ومثل سواها.. مضت حكومة الكاظمي لتؤكد، أثناء قمة بغداد التي انعقدت بين العراق ومصر والأردن في العام الفائت، إصرارها على تنفيذ هذا المشروع تحت شعار عريض اسمه ” تعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الثلاث”، متجاهلة الانقسامين السياسي الاقتصادي بشأنه.
ولاسيما أن عدداً من الخبراء الاقتصاديين تقدموا بخيارات أخرى تتجاوب مع رغبة الحكومة في إيجاد منافذ جديدة لتصدير النفط.
الاتفاق الأولي
وفقاً للاتفاق الأولي في عام 2019، فإن الطاقة التصميمية للمشروع تبلغ نحو مليون برميل يومياً، (منها 150 ألف برميل لتشغيل مصفاة الزرقاء في الأردن)، ويذهب المتبقي إلى مرافئ التصدير على ساحل البحر الأحمر في العقبة.
وزير النفط إحسان عبد الجبار، في تصريحات صحفية سابقة لعدد من وسائل الاعلام، كشف عن أن كلفة إنشاء أنبوب نفط “بصرة – عقبة” ستبلغ نحو 26 مليار دولار عن طريق الاستثمار من قبل شركات خاصة، مبيناً أن كلفة المشروع لن تُسترد إلا بعد 50 سنة، بحسب صيغة العقد المقترح لإنشائه. لكن بياناً لوزارة النفط، أكد أن الكلفة تبلغ ثمانية مليارات دولار، وهو أمر محير، يعززه حديث متلفز للوزير يشي بتباين الرؤى بينه وبين رئيس الوزراء حول المشروع، ورغبة رئيس الوزراء بالمضي بتنفيذ ما وصف بالتزام العراق وتعهده بتنفيذ هذا الاتفاق.
وبيّن عبد الجبار أن الأردن سيأخذ عن كل برميل 30 سنتاً، وأن مصر سوف تستورد 24 مليون برميل سنوياً.
اسئلة تطرح نفسها
يطرح الخبير الاقتصادي الدكتور نبيل المرسومي، وهو أحد الخبراء الذين يدافعون عن أهمية المشروع اسئلة مهمة عما أثير من جدل بشأنه:
يتساءل المرسومي: “إذا كان مشروع خط الأنبوب العراقي – الأردني مشروعاً إسرائيلياً مشبوهاً، او أنبوباً للتطبيع مع إسرائيل، فلماذا وافقت عليه الحكومات العراقية السابقة؟”
وفي إشارة الى الذرائع بإيجاد منافذ جديدة لتصدير النفط، يتساءل المرسومي: “لماذا لم تجرِ صيانة وإعادة العمل بالخط العراقي – التركي قبل أن يستخدم جزء منه في نقل نفط كردستان؟ ولماذا أوقفت الحكومات السابقة الدعوى القضائية التي رفعتها وزارة النفط على تركيا أمام محكمة التجارة الدولية في باريس لمخالفتها قواعد اتفاق استخدام هذا الخط، التي من الممكن أن يحصل فيها العراق على تعويضات قد تصل الى 20 مليار دولار؟”
وثمة سؤال جوهري بهذا الصدد: “لماذا لم يجرِ إحياء خط كركوك – بانياس عندما كانت الأوضاع السياسية والأمنية مستقرة قبل 2014، وعندما كانت كل حقول كركوك تحت تصرف شركة نفط الشمال؟”
وقبل هذا وذاك يتساءل المرسومي: “ما هي الإجراءات التي اتخذتها كل الحكومات العراقية، السابقة والحالية، من أجل إحياء الخط العراقي – السعودي؟ وهل يحق للسعودية أن تصادر الخط وتستخدمه لنقل المنتجات النفطية؟ وما هو مصير ميناء (معجز) النفطي الذي أنشئ بأموال عراقية، والذي حولته السعودية الى مرفأ لتصدير النفط؟ ولماذا لم يرفع العراق دعوى قضائية ضد السعودية والمطالبة بالتعويض؟”
مع هذا، فإن المرسومي يعتقد بأهمية المشروع، وضرورة أن يجد العراق بدائلَ لتصدير نفطه، وهو أمر فعلته حتى إيران التي وجدت بدائل أخرى لتصدير النفط لا تمر بمضيق هرمز.
الأنبوب العراقي السوري
لكن الخبير الاقتصادي الدكتور بارق شبّر، يعتقد أن “التفكير بمصالح العراق، بعيداً عن الضغوط الاقتصادية، يضع الأفضلية في تأهيل الأنبوب العراقي السوري، لما يمتلكه الأخير من مزايا ستراتيجية كبيرة لا تقارن بمزايا انبوب البصرة ـ العقبة.
فالأنبوب العراق السوري ممكن -بقليل من الجهود والكلف- أن ينقل نفط البصرة والمحافظات الجنوبية لأنه يمر بحديثة.
كما أن النفط سوف يدخل الى البحر الأبيض المتوسط مباشرة من دون المرور عبر قناة السويس، ولذلك ستكون تكاليف النقل أقل وأسرع في اتجاه أوروبا والأمريكيتين .
والكلفة المقدرة لإعادة بناء الخط (8 مليارات دولار) أقل من كلفة بناء خط حديثة العقبة البالغة 9 مليارات دولار، والمردود الاقتصادي أعلى بكثير.
ناهيك عن أن سوريا تمثل العمق الستراتيجي الاقتصادي للعراق.”
ويعتقد شبّر أن “تخريب الاقتصاد السوري، بمساهمة فعالة من تركيا وإسرائيل، كان يهدف في نهاية المطاف الى منع الاقتصاد العراقي من النهوض.”
الوزارة تخفف حدة الجدل
إزاء الجدل الكبير الذي أثاره هذا المشروع، سياسياً وشعبياً، قدمت وزارة النفط توضيحاً بينت فيه أن المشروع مازال قيد الدراسة الفنية، ولم تجر إحالته، او إبرام عقد، مع أية جهة، مشيرة الى أن أسلوب تنفيذ المشروع قد تغير أيضاً من (Boot) الى (EPCF)
وقالت الوزارة إن كلفة المشروع لا تتجاوز( 8.5) مليار دولار.
توضيحات الوزارة جاءت خلال مؤتمر صحفي حضرته “مجلة الشبكة”.
من جهته، قال مدير المشروع، الذي حضر المؤتمر، إن “ما جرى اقراره في مجلس الوزراء هو ستراتيجية وخارطة طريق لتنفيذ المشروع ، ولم تجرِ إحالته او توقيع عقد مع أية جهة، والدراسة بهذا الشأن تستغرق بعض الوقت، وسيجري ترحيل المشروع الى الحكومة المقبلة للبت فيه.”
وأوضح أن “ما كان مقرراً سابقاً هو تنفيذ مقطع المشروع من حديثة الى العقبة بأسلوب الاستثمار الـ (boot) ، وما جرى إقراره في مجلس الوزراء بتاريخ 5 نيسان 2022 هو اعتماد المشروع بالكامل بأسلوب التمويل الـ ( EPCF ) من البصرة الى العقبة، وبكلفة تخمينية لاتزيد عن 8.5 مليار لجميع تفاصيل المشروع “.
وأضاف أن “المشروع يهدف الى تعزيز حركة النفط الخام عبر الأنابيب، وانسيابيته في رفد وتزويد منظومة التصدير الشمالية ومصافي الوسط والشمال بالنفط الخام، فضلاً عن تلبية احتياجات محطات توليد الطاقة الكهربائية “.
وشرح جانباً من تفاصيل هذا المشروع وأهميته: “فالطاقة الكلية لمقطع الأنبوب الممتد من (بصرة- حديثة) هي 2 مليون برميل في اليوم، ومليون برميل في اليوم للمقطع الممتد من حديثة –عقبة، وجرى الاتفاق مع الجانب الأردني على تخفيض طاقة الضخ الدنيا الى 200 ألف برميل في اليوم.
وضمن خطط تعدد المنافذ التصديرية، فإن مشروع خط (حديثة –عقبة) يعد الخيار الواقعي، وذلك لتوفر البيئتين: السياسية والقانونية، وهو أفضل الخيارات التي يمكن تنفيذها، وذلك بسبب الظروف المحيطة بمشاريع كل من منفذي: سوريا (عدم الاستقرار السياسي)، و تركيا (لوجود مشكلة قانونية حول الاستخدام اللا قانوني للخط الستراتيجي الحالي).
كما أن كلفة المشروع لا تتجاوز (٨.٥) مليار دولار وليس (28) مليار دولار، كما أشيع في بعض وسائل الإعلام، ولا توجد منشآت مصافٍ او بتروكيمياويات داخل أراضي المملكة الأردنية الهاشمية بتمويل عراقي أو ضمن التزامات المشروع حالياً”.
ولفت الى أن “جميع الحكومات المتعاقبة أيدت تنفيذ المشروع، وأن وزارة النفط هي جهة تنفيذية لخطط وبرامج الحكومة، التي تجري المصادقة على برامجها من قبل مجلس النواب.”
الشفافية والوضوح
من ناحية أخرى، يؤكد الخبير الاقتصادي مرتضى العزاوي أن “جميع دول المنطقة المصدرة عملت على إيجاد موانئ تصدير لنفطها بعيداً عن مضيق هرمز.”
وأوضح العزاوي أن “العراق هو ثاني أكبر مصدر للنفط في منظمة أوبك، وأنه يصدر أكثر من ٩٠% من نفطه عبر مضيق هرمز منذ سنوات طوال، ولهذا فإن من الطبيعي أن يبحث عن تنويع منافذ تصدير نفطه، كما فعلت باقي الدول في المنطقة.”
وأشار الى أن “الدولة العراقية اقتنعت بضرورة تنفيذ مشروع البصرة ــ العقبة، وأحالته الى الاستثمار بسبب عدم قدرتها على تمويل المشروع من الموازنات العامة، لكن الموضوع تعرقل بسبب كلفته العالية والحاجة الى موديل تجاري أكثر نفعاً للعراق.”
وأكد أن “تنويع موانئ تصدير النفط له أهمية ستراتيجية كبيرة، ولاسيما أن العراق هو الدولة الأكثر اعتماداً على الإيرادات النفطية بالمقارنة مع باقي دول المنطقة، لكن يجب أن يكون المشروع ذا جدوى اقتصادية حقيقية، ولا يكبل العراق بمصاريف هو في غنى عنها في المرحلة الحالية.
كما أن تنويع منافذ التصدير يجب أن لا يختصر على دراسة مشروع العقبة فقط، وإنما يجب أن يشمل دراسة إنشاء خط باتجاه سوريا، كما كان موجود سابقاً.”
وشدد العزاوي على أن “إحالة مشروع كبير، مثل مشروع أنبوب نقل النفط، يجب أن تتسم بالشفافية، كما حدث مع جولات التراخيص النفطية، فتقدم الشركات عروضها ويجري اختيار أفضل العروض أمام وسائل الإعلام، وليس بأسلوب التكتم والإحالة المباشرة.
وفي نفس الوقت، فإن من المعيب تسقيط مثل هذه المشاريع الستراتيجية (التخصصية) بين عامة الناس لدوافع سياسية، ويبقى الكلام الأول والأخير للمختصين في الدوائر المعنية في وزارة النفط والتخطيط ومجلس الوزراء.”