الانسداد السياسي يحول دون إقرار الموازنة المالية

84

ملاذ الأمين/       

انعكس‭ ‬الانسداد‭ ‬الذي‭ ‬تعيشه‭ ‬العملية‭ ‬السياسية‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬ستة‭ ‬أشهر‭ ‬على‭ ‬انتهاء‭ ‬ولاية‭ ‬الحكومة،‭ ‬في‭ ‬الحيلولة‭ ‬دون‭ ‬تمرير‭ ‬قانون‭ ‬الموازنة‭ ‬المالية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬توقف‭ ‬تنفيذ‭ ‬المشاريع‭ ‬الستراتيجية‭ ‬ذات‭ ‬الأهمية‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬مستقبل‭ ‬العراق‭ ‬وأجياله‭ ‬المقبلة‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬العراق‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الغنية‭ ‬بثرواتها‭ ‬النفطية‭ ‬وخصوبة‭ ‬أرضه‭ ‬القابلة‭ ‬للزراعة،‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬مستوى‭ ‬مناسب‭ ‬من‭ ‬الصناعات،‭ ‬فإنه‭ ‬مازال‭ ‬بحاجة‭ ‬الى‭ ‬مشاريع‭ ‬استثمارية‭ ‬جديدة‭ ‬تواكب‭ ‬التطورات‭ ‬الحضارية‭ ‬الجارية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وبما‭ ‬يتناسب‭ ‬وإمكانياته‭ ‬المادية‭ ‬والبشرية‭. 

إن‭ ‬تأخر‭ ‬التوصل‭ ‬الى‭ ‬تشكيل‭ ‬حكومة‭ ‬سوف‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬إقرار‭ ‬الموازنة،‭ ‬ويتسبب‭ ‬في‭ ‬وقف‭ ‬تنفيذ‭ ‬المشاريع‭ ‬الاستثمارية‭ ‬ذات‭ ‬الفائدة‭ ‬لمستقبل‭ ‬البلاد،‭ ‬إذ‭ ‬ينص‭  ‬قانون‭ ‬الإدارة‭ ‬المالية‭ ‬على‭ ‬تخصيص‭ ‬الأموال‭ ‬لإنفاق‭ ‬كل‭ ‬شهر‭ ‬على‭ ‬حدة،‭ ‬وفقاً‭ ‬لبرنامج‭ ‬موازنة‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأموال‭ ‬الشهرية‭ ‬سوف‭ ‬لن‭ ‬تكفي‭ ‬للشروع‭ ‬بتنفيذ‭ ‬مشاريع‭ ‬استثمارية‭ ‬كبيرة‭. ‬

وكما‭ ‬هو‭ ‬معلوم،‭ ‬فإن‭ ‬الموازنات‭ ‬تتألف‭ ‬من‭ ‬شقين‭ ‬أساسيين‭ ‬هما‭: ‬الموازنة‭ ‬التشغيلية‭ ‬المغطاة‭ ‬بالقانون،‭ ‬والموازنة‭ ‬الاستثمارية‭ ‬التي‭  ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬إقرار‭ ‬الموازنة‭ ‬العامة،‭ ‬ضمن‭ ‬توقيتات‭ ‬يشترط‭ ‬أن‭ ‬تقدمها‭ ‬الحكومة‭ ‬كاملة‭ ‬الصلاحية‭ ‬الى‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية،‭ ‬الذي‭ ‬يقدمها‭ ‬بدوره‭ ‬الى‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬لمناقشتها‭ ‬وإقرارها‭ ‬لتعاد‭ ‬حسب‭ ‬السلّم‭ ‬الأول‭ ‬باتجاه‭ ‬التنفيذ‭.‬

مما‭ ‬تقدم‭ ‬نستنتج‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬إقرار‭ ‬الموازنة‭ ‬للعام‭ ‬الحالي‭ ‬سيتسبب‭ ‬في‭ ‬منع‭ ‬تنفيذ‭ ‬أية‭ ‬مشاريع‭ ‬استثمارية،‭ ‬وذلك‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬التخصيصات‭ ‬المالية،‭ ‬ما‭ ‬سوف‭ ‬ينعكس‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬الطبقات‭ ‬الفقيرة‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬توفر‭ ‬مساحات‭ ‬جديدة‭ ‬للعمل،‭ ‬التي‭ ‬تهيئها‭ ‬المشاريع‭ ‬الحديثة‭ ‬لاستقطاب‭ ‬عاملين‭ ‬جدد،‭ ‬إذ‭ ‬أن‭ ‬الموازنة،‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬الفشل‭ ‬بإقرارها،‭ ‬سوف‭ ‬تتسبب‭ ‬بزيادة‭ ‬مساحات‭ ‬البطالة‭ ‬مع‭ ‬تزايد‭ ‬عدد‭ ‬السكان،‭ ‬وتأخر‭ ‬في‭ ‬نمو‭ ‬القطاعات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬حقلي‭ ‬الزراعة‭ ‬والصناعة،‭ ‬تتبعها‭ ‬القطاعات‭ ‬الأخرى‭ ‬كالتجارة‭ ‬والنقل‭ ‬وغيرها،‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬إيقاف‭ ‬حركة‭ ‬الأموال‭ ‬وعدم‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها،‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬من‭ ‬القيادات‭ ‬السياسية‭ ‬الإسراع‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الحكومة‭ ‬لتلافي‭ ‬التأخير‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬المشاريع‭ ‬الستراتيجية‭ ‬المهمة‭ ‬التي‭ ‬تخدم‭ ‬الأجيال‭ ‬المقبلة،‭ ‬ولتجنب‭ ‬اتساع‭ ‬مساحات‭ ‬الفقر‭. 

وتعد‭ ‬الموازنات‭ ‬المالية‭ ‬الأداة‭ ‬الرئيسة‭ ‬لتحقيق‭ ‬السياسات‭ ‬العامة‭ ‬للدولة‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬واحد،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬أو‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬أو‭ ‬الخدمية،‭ ‬وهي‭ ‬عرض‭ ‬لخطط‭ ‬الحكومة‭ ‬وبرامجها‭ ‬السنوية،‭ ‬التي‭ ‬تعدّها‭ ‬استجابة‭ ‬للتحديات‭ ‬الحالية‭ ‬ورسم‭ ‬سياسات‭ ‬مستقبلية‭ ‬جديدة،‭ ‬وبدون‭ ‬وجود‭ ‬أموال‭ ‬مخصصة‭ ‬للمشاريع‭ ‬بالاعتماد‭ ‬على‭ ‬موازنة‭ ‬العام‭ ‬السابق،‭ ‬فإن‭ ‬عملية‭ ‬تنفيذ‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع‭ ‬ستتوقف‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع‭ ‬مستمراً‭ ‬منذ‭ ‬الأعوام‭ ‬السابقة‭ ‬وحتى‭ ‬الان‭.‬

إن‭ ‬تأخر‭ ‬إقرار‭ ‬الموازنة‭ ‬سوف‭ ‬يتسبب‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬إمكانية‭ ‬استيعاب‭ ‬أعداد‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬العاملين،‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬ولادة‭ ‬مشاريع‭ ‬جديدة،‭ ‬وكأنها‭ ‬حلقات‭ ‬متصلة‭ ‬بعضها‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬لتخرج‭ ‬بنتيجة‭ ‬متوقعة‭. ‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬هناك‭ ‬حلقة‭ ‬أخرى،‭ ‬وهي‭ ‬حلقة‭ ‬إقرار‭ ‬الموازنة‭ ‬التي‭ ‬ستدور‭ ‬لتولد‭ ‬مشاريع‭ ‬جديدة‭ ‬مع‭ ‬تخصيص‭ ‬الأموال‭ ‬اللازمة،‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬أيدي‭ ‬عاملة‭ ‬جديدة‭ ‬لتشغيل‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬تدويراً‭ ‬أوسع‭ ‬للأموال‭ ‬وتحقيق‭ ‬الفوائد‭ ‬المرجوة‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الاقتصادين‭ ‬الأسري‭ ‬والوطني‭.‬

كذلك‭ ‬هناك‭ ‬وقائع‭ ‬سلبية‭ ‬أخرى‭ ‬كثيرة‭ ‬تنتج‭ ‬بشكل‭ ‬عرضي‭ ‬نتيجة‭ ‬تأخر‭ ‬إقرار‭ ‬الموازنة‭ ‬العامة،‭ ‬ما‭ ‬يشكل‭ ‬ضغطاً‭ ‬على‭ ‬القوى‭ ‬السياسية‭ ‬للإسراع‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬الأجواء‭ ‬الدستورية‭ ‬اللازمة‭ ‬لتشكيل‭ ‬الحكومة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬الشروع‭ ‬بإجراءات‭ ‬إقرار‭ ‬الموازنة‭ ‬لتلافي‭ ‬الانتكاسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭. ‬