المكرمات الحكومية الرمضانية.. من الدجاجة إلى العدس والملح!

65

إيفان الخفاجي /

مع دخول شهر رمضان المبارك، تشهد الأسواق العراقية ارتفاعا في أسعار المواد الغذائية الأساسية التي تدخل في مائدة الشهر الفضيل، مثل العدس والحبوب الأخرى، إضافة الى الفواكه والخضار، على الرغم من محاولة التطمينات التي تسوقها الحكومة بوعود تجهيز المواطنين بسلتين غذائيتين قبيل وأثناء أيام رمضان المباركة.
يتزامن ذلك مع الصعود الجنوني في أسعار بعض المواد الغذائية متأثرة بالحرب الروسية – الأوكرانية، ولاسيما أن البلدين “روسيا وأوكرانيا”، يعتبران مصدرين مهمين لتوريد العديد من مفردات المواد الغذائية مثل القمح وزيت الطعام، فيما قرر مجلس الوزراء في 8 آذار الفائت، إطلاق حصتين للمواد الغذائية في البطاقة التموينية فوراً والبدء بإجراءات توفير حصة شهر رمضان، وإعادة النظر بموازنة البطاقة التموينية.
السوق ورمضان والبرلمان
وحول دور مجلس النواب في التخفيف من وطأة ارتفاع الأسعار على المواطنين، يقول النائب المستقل هادي السلامي في حديث صحفي تابعته “الشبكة”، إن “هناك ضغطاً رقابياً كبيراً مورس على وزارة التجارة مؤخراً، أسفر عن توزيع مادة الطحين لوجبتين، ومن المفترض أن توزع المواد الغذائية الأخرى من مفردات البطاقة التموينية تباعاً”. ويضيف السلامي، أن “هناك مشروع قانون لصرف مبالغ الطوارئ للمواد الغذائية فقط، وهذا أيضاً سيسهم برفد المواطن بالمواد الغذائية عن طريق وزارة التجارة”، مبيناً أنه “جرى تحريك شكوى ضد وزارة التجارة بسبب نقص المواد الغذائية ورداءة نوعيتها والفساد المستشري في مفاصل الوزارة، وهذا يأتي ضمن الدور الرقابي للبرلمان بشأن الأمن الغذائي”.
وبشأن رفع أسعار المواد الغذائية مع قرب حلول شهر رمضان، يوضح السلامي، أن “هناك خطوات استباقية صدرت من الحكومة لردع الاستغلال خلال شهر رمضان، وهي خطوات إيجابية نوعاً ما، وستسهم بدعم استيراد المواد الغذائية بأسعار تنافسية، إضافة الى تسهيلات البنك المركزي للتحويلات المالية للتجار، فهي أيضاً ستخلق منافسة قوية في توفير السلع وستجعل من الأسعار معقولة خلال شهر رمضان”.
وكان النائب الأول لرئيس مجلس النواب حاكم الزاملي قد وعد، من خلال مؤتمر صحفي، بآليات رادعة للمتلاعبين بأسعار المواد الغذائية وبقوت المواطن، معتبرا أن ذلك “يعتبر استهدافاً للبلاد.”
في هذا الإطار، وجه مجلس القضاء الأعلى باتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتلاعبين بأسعار السلع الغذائية ومعالجة ظاهرة احتكار البضائع ومحاسبة المتلاعبين بقوت المواطنين. وقال المكتب الإعلامي لمجلس القضاء، في بيان صحفي تابعته “الشبكة”، أن “المجلس وجه محاكم التحقيق بضرورة التعاون مع الجهات الأمنية المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتلاعبين بأسعار السلع الغذائية ومعالجة ظاهرة احتكار البضائع ومحاسبة المتلاعبين بقوت المواطنين بالتزامن مع حلول شهر رمضان المبارك.”

ربيع الخبز.. يتجدد
على الرغم من تطمينات وزارتي الزراعة والتجارة عن كميات المحصول من القمح ومن خزينه الستراتيجي، إلا أن مراقبين ومتخصصين بالأمن الغذائي يرون أن العراق مشمول بدائرة الخطر ضمن دول الإقليم التي تأثرت بشكل مباشر بالحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا. ويلمح خبراء السوق الى الاحتجاجات التي تفجرت في وسط مدينة الناصرية اعتراضاً على ارتفاع أسعار الخبز وزيت الطهو وسلع أخرى، إذ ارتفعت أسعار المنتجات المستوردة من أوكرانيا بنسبة تصل إلى 50% منذ بدأت الحرب هناك. ويربط هؤلاء الاحتجاجات الأخيرة في الناصرية ومثيلاتها في كل من مصر والسودان ولبنان، محذرين من “ربيع خبز جديد” على غرار ماحصل في مصر عام 1977 حين أقرت الحكومة آنذاك حزمة إصلاحات اقتصادية شهدت تخفيض الدعم الحكومي وارتفاع أسعار المواد الغذائية، فاشتعلت مظاهرات عنيفة في جميع أنحاء البلاد أسفرت عن 70 حالة وفاة على الأقل. وتكرار ذات السيناريو عام 2011، إذ كان شعار (عيش ، حرية، عدالة اجتماعية) أحد أبرز الشعارات الشعبية في المظاهرات التي أزاحت نظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك خلال الربيع العربي.
ويؤكد تقرير لمعهد الشرق الأوسط الأمريكي نشر في شباط الماضي، “أن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء بسبب الحرب بين روسيا وأوكرانيا يمكن أن يؤدي إلى تجدد الاحتجاجات وانعدام الاستقرار في بلدان عدة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”.، غير أن الاستشاري في المعهد الدولي للدراسات الستراتيجية في لندن جون راين يرى أن تعرض الناس لضغوط اقتصادية شديدة في مناطق الشرق الأوسط لا يؤدي بالضرورة إلى صدمة هائلة كما حدث خلال انتفاضات الربيع العربي في عام 2011.

ملح وعدس وكليجة
لرمضان طقوس متعددة تستوجب توفير أجواء خاصة، منها معنوية وأخرى مادية، ليس على مستوى الأفراد، بل وعلى مستوى الحكومات أيضاً، إذ تقوم بدعم المشاريع الخيرية وتراقب الأسواق وتمنع الضرائب على كثير من السلع، وغيرها من الأنشطة التي تخدم المواطن. فيما تلجأ بعض دول الجوار، كسوريا مثلا، الى الأسواق الخيرية، أو مهرجانات التسوق الشعبية التي تعد تقليداً سنوياً في سوريا، إذ تنظم مثل هذه المهرجانات بشكل سنوي في الفترة التي تسبق قدوم شهر رمضان، التي يجد الناس فيها معظم مستلزماتهم واحتياجاتهم ولكن بأسعار مخفضة عن الأسعار السائدة في السوق.
في الفترة التي أعقبت مرحلة الحصار الدولي الذي فرضته المنظمة الدولية على العراق إثر غزو الكويت في آب 1990، إعتاد العراقيون على “مكرمات” الرئيس، التي غالباً ما تكون مادة دسمة للسخرية المرّة بين الناس، وامتدت هذه “المكرمات” الى الحكومات التي تشكلت بعد التغيير الذي أحدثه الغزو الأمريكي للعراق في نيسان 2003.

دجاجة صدام
في تسعينيات القرن المنصرم، وفي “رمضانات” الحصار، إعتاد العراقيون أن يستمعوا ضمن النشرات الإخبارية للتلفزيون الرسمي، وبلغة خطابية “ثورية” عن مكرمة الرئيس، التي غالباً ما تكون كيلو عدس أو دجاجة لكل عائلة أو بضعة كيلوغرامات من الطحين الأبيض الذي يشكل المادة الرئيسة في صناعة كعك العيد المسمى “الكليجة”، والذي تحرص العائلة العراقية عليه كطقس رمضاني مهما كانت ظروفها المعيشية صعبة.
وحين وزع “القائد الضرورة” دجاجة لكل أسرة عراقية، كانت الدجاجة بلا رقبة و بلا أجنحة، وصار العقل الجمعي العراقي يتندر بالخفاء بأنها رسالة مبطنة من “القائد” بأن لا طير يطير في العراق، بمعنى ليست لك القدرة على الطيران أيها العراقي والرقبة المقصوصة تعني أن من يرفع رأسه نقصّه كما نقص رقبة دجاجة “المكرمة العظيمة”.
وفي عهد رئيس مجلس الوزراء السابق السيد عادل عبد المهدي، وزعت مادة العدس، وهي مادة أساسية على مائدة العراقيين الرمضانية، بكمية نصف كيلو غرام مع مفردات البطاقة التموينية، التي أصابها العطب ككمية وكمفردات غذائية، حينها تداول العراقيون سلسلة من النكات، لعل أبرزها، ان قراصنة من الصومال الشقيق استولوا على باخرة في البحر محملة بمادة العدس ووجهوها الى العراق، من أجل أن يفي رئيس الحكومة عبد المهدي بالوعد الذي قطعه للعراقيين بمكرمة رمضان وهي نصف كيلو غرام من العدس المستورد لكل عائلة عراقية.
ومما زاد من سخرية العراقيين المرّة، الطريقة الاحتفالية المبالغ فيها التي سوقت بها حكومة السيد عبد المهدي تلك “المكرمة”. فقد أعلنت وزارة التجارة حينها عن موافقة مجلس الوزراء العراقي على إضافة نصف كيلو غرام من مادة العدس ضمن مفردات البطاقة التموينية، وأكدت الأمانة العامة لمجلس الوزراء في بيان، أن هذه الإضافة تأتي من تخصيصات البطاقة التموينية المثبتة بموازنة 2019 لغرض توزيعها على المواطنين وذلك ضمن مفردات البطاقة التموينية لشهر رمضان.
أما في العهد الحالي، عهد رئيس مجلس الوزراء السيد مصطفى الكاظمي، فإن مشروع السلة العراقية الذي باشرت الحكومة بتفعيله كبديل عن الحصة التموينية، الذي وصلت مفرداته الى سبع مفردات، فإنه خفّف -الى حد ما- من وطأة تكاليف تدبير المواد الغذائية الضرورية للعائلة العراقية، ولاسيما إذا ما التزمت الحكومة بتحقيق وعدها، ووزعت تلك السلة شهرياً بعد أن كانت الحصة التموينية توزع بمعدل كل شهرين. إلا أن تسريب خبر توزيع مادة الملح مع مفردات السلة الغذائية وضع الحكومة في دائرة التهكم الشعبي مجدداً، على الرغم من أن وزارة التجارة نفت خبر توزيع الملح.
وبعيداً عن الأجواء الرمضانية والحصة التموينية، مهما اختلفت تسمياتها، فإن الخبراء الاقتصاديين والمواطنين على حد سواء، يرون أن استمرار توزيع الحصة التموينية هو تعبير عن فشل الحكومات المتعاقبة في توفير أبسط مقومات العيش الكريم للعراقيين، إذ تزامنت فكرة البطاقة التموينية مع الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق مطلع تسعينيات القرن الماضي، وبعد أن تخلص العراق من تبعات تلك المرحلة، أصبح لزاماً أن يستعيد الشعب العراقي مقدراته وثرواته لينعم بالأمان والعيــــش الرغيد.