بسبب الاستخدام الجائر للآبار.. الجفاف يحاصر العراق على سطح الأرض وفي جوفها!

65

يوسف المحسن /

الصحراء، تلك الأرض المنبسطة المتآلفة مع العطش والجفاف، تخفي صلابة وجهها ملامح أخرى. ففي عالمها السفلي خزانات وخرائط لا عد لها من الأحواض المائية والمسارات، وربما الجداول، إذ يمكن القول إن الفسحة، الغنيّة – الفقيرة، في جوفها تشبه قافلة الإبل المحملة ذهباً وكنوزاً لكنها تقتات على العاقول.
منذ آلاف السنين والمياه تحدّد خارطة التجمعات البشرية في كل مكان، عند ضفاف الأنهر والبحيرات والواحات والينابيع وعيون الماء، خرائط تتبدل بنضوب أو طفح هذه المصادر، وتحت سطوة الظروف القاسية في البوادي، تكون هي صاحبة اليد الطولى في تعيين أماكن هذه التجمعات، التي تنسلّ وراء المياه والعشب أينما حل.
الماء.. “أعز مفقود وأهون موجود،” وفق أبلغ أوصافه في التراث العربي. يقول الباحث أحمد حمدان إن “سطوة الماء على الحياة العربية تعدت رسم أماكن الاستقرار السكاني والتجمع الإحيائي من حيوانات ونباتات إلى احتكار التسميات، فصارت المناطق والرقع تُسمى وفقاً لمصدر المياه فيها.” حمدان أضاف “ناحية بصيّه – مثلاً- أخذت اسمها من عين ماء، وقيل إن ماءها كان يتلألأ بصيصهُ في وسط الوادي من بعيد، وعين صيد صار اسمها يُطلق على ما يحيط بها من مناطق، قضاء السلمان كان عين ماء لقبيلة حِمْيَر، ومثله النبعة، وهي عين ماء في وادي العاذر، والصليلي والعطشان، وهما ينبوعا مياه عذبة.”
يضيف حمدان، وهو باحث وناشط في ميدان الدفاع عن التنوع الإحيائي، إن “المياه، سواء أكانت ينابيع أم عيوناً أم آباراً أم واحات، كانت سبباً في ديمومة الحياة وسط قساوة الجو الصحراوي، فقد كانت ملتقى للقوافل قديماً ومحطات استراحة للعابرين.”
كذلك يؤكد خبير الجغرافية الطبيعية، الدكتور سرحان الخفاجي، فرضية الدور الذي لعبه الماء في رسم خريطة التجمعات السكانية والنمو الإحيائي من نباتات وحيوانات. الخفاجي، الذي أنجز دراسة ميدانية عن المياه الجوفية في البادية الجنوبية، قال إن “المياه كانت عاملاً رئيساً عبر التاريخ في ولادة التجمعات الحضرية وبناء المستوطنات السكانية او محطات استراحة للعابرين.” يضيف الدكتور الخفاجي، وهو تدريسي في جامعة المثنى “خذ مثلاً بلاد ما بين النهرين قبل آلاف السنين والتجمعات السكانية في البادية العراقية حيث تتوافر المياه الجوفية.”

في البدء كانت المياه
الماء أول الأشياء والعنصر الأساسي الذي لا غنى عنه، وفي البديهيات الإسلامية نجده سبق الخلق او كان بموازاته ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا …﴾هود7. وسبق ذلك حضور للماء في التعاليم والمثيلوجيات الدينية والحضارية القديمة، فالأسطورة البابلية تقول “لم يكن غير الماء في الأزمان الأولى”، وفي سفر التكوين الأول من التوراة ورد “في البدء خلق الله السموات والأرض وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرفُّ على وجه المياه.”
حقائق ومكانة عظيمة سبقتا النظرة الى الماء وحضوره في يوميات الإنسان عبر العصور، فكيف لا يكون اختياره قبل المكان، لهذا كانت التجمعات السكانية قريبة من المياه وكأنها تستمدّ منها القوة.
ولنا أن نتتبع حضور الماء في الشعر العربي لنتخيل قوة هذه المكانة، فماء الأرض مثل ماء الوجه يتعافيان بوجوده ويهزلان بغيابه.. يقول شاعر:
إذا قَلّ ماء الوجه قَـلّ حياؤه
فلا خير في وجه إذا قلّ ماؤه
ويقول أبو العتاهيه (130هـ-211هـ)
أَفنى شَبابَكَ كَرُّ الطَرفِ وَالنَفسِ..
فَالمَوتُ مُقتَرِبٌ وَالدَهرُ ذو خُلَسِ
تَرجو النَجاةَ وَلَم تَسلُك مَسالِكَها،
إِنَّ السَفينَةَ لا تَجري عَلى اليَبَسِ.
فالسفينة، وهي الحياة هنا، لا تدوم بلا مياه، والماء منتهى الحلول الذي يوفر الإجابات الغائبة للأسئلة الحاضرة، يقول آخر:
إلى الماء يسعى من يغص بلقمة
إلى أين يسعى من يغص بماء ؟
مصير الإعجاز هنا لا مناص عنه ولا خلاص منه.
يقول الحلاج (858م – 922م):
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له
إياك.. إياك أن تبتل بالماء

إحدى عشرة عيناً
“المياه متوفرة على شكل عيون (ينابيع) أو آبار وعددها 11.” هكذا يكمل الدكتور سرحان الخفاجي حديثه لـ (الشبكة) قائلاً إن “عدد الآبار هو 1335 بئراً تمتد على منطقتين رئيستين: الأولى موازية للسهل الرسوبي، وما يسمى فالق (خزان) الفرات، وعددها 764 بئراً، لتضم مناطق الكصير والرحاب والغضاري والعميد وأبو مريس والأشعلي وكور الطير والرحبة والفضوة والمملحة، إضافة الى بحيرة ساوة، وأعماقها بين 100ـ120 متراً، فيما تقع المنطقة الثانية الى الجنوب من السهل الرسوبي، وتشمل مناطق السلمان وهدانيا والشاوية والساعة وأبو حضير وأبو اللوم والوجاجة وأم تنانير واللهب والشفلحية، لتضم 376 بئراً.”
أضاف الخفاجي “كما توجد آبار متفرقة قرب الحدود مع المملكة العربية السعودية في مناطق تخاديد وأنصاب وتكيد وعادن والأمعر وهي أكثر عمقاً، فقد يصل عمقها الى 500 متر.”
بين البئر والعين
والفارق بين الينابيع والآبار يكشف عن ميزات أخرى للمياه المتوفرة فيها، فالنبع عبارة عن مياه تنبثق تلقائياً وبشكل طبيعي من باطن الأرض الى سطحها، وأشهرها عيون العميد والوحشيّة وآل بطّاح والرحاب والصليبات والفضوة والثويرية وحمود، فيما الآبار عبارة عن ممرات عمودية محفورة في الأرض او ثقوب لسحب المياه الى الأعلى ويكون ذلك بشكل يدوي او ميكانيكي، فيما الكثير من الآبار تتدفق مياهها تلقائياً بفعل ما أسماه الدكتور الخفاجي بـ الضغط الهيدروليكي وتسمى الآبار الارتوازية.
وللآبار أسماء شعبية تطلق بالاستناد الى أعماقها، عن ذلك يقول الباحث أحمد الجشعمي “الحسو، او الحسيان، هي البئر بعمق متر او مترين. أما الخرايج فعمقها يصل الى عشرة أمتار، وغالباً ما تحفر عند أكتاف الوديان. فيما آبار النوع الثالث، التي قد يبلغ عمقها أربعين متراً وأكثر فتسمى الطوال، وهي آبار لا تنضب مثل بصية، تكيد، دويران، رويحان، دودان.”

مستوطنات العالم السفلي
تشير الدراسات الى أن مكامن المياه في البادية الجنوبية تتوزع بين أكثر من خزان أرضي كبير وبأعماق متباينة، وغالبيتها تتجمع في خزانات باطنية وهي كل من: أم أرضمة على أعماق بعيدة، وتكوين الدمّام الذي يُعد الخزان الرئيس للمياه في المنطقة، وتكويني الفرات الجيري والغار، مياههما أكثر ملوحة، يضاف الى ذلك تكوين خزان الزهرة، وهو من الترسبات الحديثة، او ما يطلق عليه ترسبات العصر الرباعي، انتقالاً الى تكوين الدبدبة ذي المياه الأقل وفرة، الذي يساعد على ترشيحها الى الخزانات الجوفيّة.
ويعد خزان الدمام الجيري الأهم في البادية الجنوبية، لامتداده الواسع واحتوائه على عدد من الطبقات الجيرية والدولومايتية المتشققة والمتكهفة، التي تساعد على حرية حركة المياه تحت الأرض. وعن ميزاته يضيف الخفاجي “انكشافه بمساحات واسعة يسهل تغذيته من مياه الأمطار والسيول وتماسه مع تكوينات خزنية أخرى، كما أن موقعه القريب من مستوى الأرض جعله الممول الرئيس للآبار في البادية.”
وتتغذى المكامن المائية في البادية على مياه الأمطار في حالات السيول عبر وديانها، ومن خلال الشقوق والفواصل والحفر الواصلة الى المكامن، وأهم الوديان المغذية هي الكصير والأشعلي وأبو غار وأبو نفيلة والغانمي والخرز وشعيب حسب وقرين والثماد والأمغر ووادي البطن. يضيف الدكتور الخفاجي أن “تغذية الخزانات الأرضية (المكامن) تأتي أيضاً من حركة الجريان تحت السطحي للمياه المقبلة من جنوب غربي المنطقة.”

الاستخدام الجائر للمياه
في ظل التوسع السكاني والخطط الاستثمارية وفعاليات النمو الاقتصادي، دخلت المياه في البادية الجنوبية في قائمة الثروات التي يسعى خلفها قطار التنمية وأحلام الإنسان. وبعد أن كان يريدها لإطفاء عطشه أو لإرواء حيواناته، صار الآن يستخدمها للزراعة والصناعة وبوتائر متصاعدة.
من جانبه، يقول الدكتور يوسف الصفراني إن “أعداد الآبار وكميات المياه التي تسحب من تحت الأرض لا تتناسب مع كمية التغذية للخزانات الأرضية، سواء عن طريق الأمطار او الجريان التحتي.” الصفراني أضاف “نحن بصدد الوصول الى مرحلة قد تنخفض فيها مناسيب مياه الخزانات الأرضية الى مرحلة الجفاف.” يستطرد قائلاً “المشكلة هي في منح إجازات حفر الآبار والإجازات الاستثمارية الصناعية والزراعية، دون حساب قدرة المخزون المائي في تلبية هذه الاحتياجات، وهناك آبار تحفر الآن حتى بلا موافقات!”
وفي وقت أشار فيه الدكتور الخفاجي الى أن نوعية المياه تصلح -وبدرجات متباينة- لأغراض ومحاصيل متعددة، فقد حذر من التمادي في الاستخدام المفرط لها، الذي أدى الى جفاف أعداد كبيرة من الآبار في مناطق الرحاب وبحيرة ساوة، اضافة الى البحيرة ذاتها، مضيفاً “يجب السيطرة على المياه المسحوبة وتقنين استخدامها بشكل علمي ومدروس.”
ومن اجل الحفاظ على الثروة المائية وحماية التنوع الإحيائي في البادية، والحفاظ على النظام البيئي، توصي الدراسة التي اشتملت على مخططات ورسوم توضيحية وجداول بالتوسع في استخدام تقانات الري الحديثة، وتنفيذ مشروع حصاد المياه، وإقامة السدود في الوديان، وتوجيه السيول المطرية إليها، وإعادة حقن المكامن الأرضية للحفاظ على مناسيبها، وهي اجراءات تعد ضرورية لحماية البادية، ومنع وصول اليباس والجفاف الى جوفها. وإذا كان المثل العربي يصف ما يحاك للإنسان من شر او مكروه بالقول “إن الماء يسير من تحته”، فاليوم تبدو الخطورة في توقف الماء عن السير تحتنا، ونفاد مخزون العالم التحتاني وبما يجر الى مشاكل كبرى مقبلة تضاف الى قائمة التحديات البيئية.