تراجع الزراعة يهدد الأمن الغذائي

24

ملاذ الأمين/

اتجاهان أساسيان ينبغي أن يعمل عليهما العراق ليستعيد مكانته كدولة مصدرة للغذاء، الأول إبرام اتفاق مع تركيا بشأن حصته المائية في نهرين باتا مهددين بالجفاف، يرافق ذلك بناء المزيد من الخزانات والسدود للسيطرة على الفائض المائي خلال مواسم الأمطار والسيول. والثاني اتباع طرق الري الحديثة التي تضمن أفضل استخدام للمياه.
فالعراق كان -ولم يزل- بلد النهرين: دجلة والفرات، يعتمد على الزراعة في معيشته، فأرضه الخصبة والمياه الوفيرة وأجواؤه المعتدلة تمنحه إمكانية زراعة مجموعة كبيرة من الحبوب والخضراوات والفواكه، وتسمح بنمو مختلف الأعشاب المفيدة للحيوانات الداجنة، ما يجعله مكتفياً ذاتياً في غذائه ومصدراً للغذاء الى البلدان المجاورة.
لقد شملت مهنة الفلاحة السواد الأعظم من سكان العراق، تتبعها مهنة الرعي، وذلك لتوفر الأسباب أعلاه، إذ أن السكان في بلاد ما النهرين كانوا مترفين من ناحية توفر الطعام لأغلبهم، وحسب إحصاء عام 1957، فقد شكلت نسبة السكان الذين يمتهنون الفلاحة والرعي أكثر من 65% من نسبة السكان الأصليين، ما يدل على أهمية الزراعة في معيشة واقتصاد الأهالي والبلاد.
مسألة المياه
تذكر لنا الإحصائيات في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي أن العراق كان يصدر آلاف الأطنان من الحبوب الى بريطانيا وأوروبا، بالإضافة الى القطن والصوف كمواد أولية لمعامل الأقمشة هناك، إلا أن الحكومات المتعاقبة في العراق، منذ تأسيسة، لم تول مسالة المياه والأنهار اهتماماً كبيراً، فقد أنشأت -وفي فترات متعاقبة- بعض السدود لخزن المياه وشقت بعض القنوات لإيصال المياه الى الأراضي الزراعية، لكن ذلك لم يكن كافياً لبلد مثل العراق في مساحة أراضيه وإيراداته، الى جانب أن الحكومات المتعاقبة لم تهتم بالطرق الحديثة في الري والزراعة وإنشاء الأراضي الزراعية الواسعة بالاعتماد على كميات قليلة من المياه .
إن الاهتمام بالمياه، من جانب إنشاء السدود على الأنهار والروافد لخزن المياه في السدود والبحيرات والمنخفضات لغرض الاستفادة منها في مواسم الجفاف، يعني إدامة الزراعة والحرص على الاقتصاد الوطني والتصدي للأزمات التي قد تصيب البلاد من جراء الجفاف، او حجب المياه من قبل دول المنبع، كما يجري حالياً، إذ قطعت إيران نهائياً أحد روافد نهر ديالى، فيما بنت تركيا سد أليسو على نهر دجلة وحجبت نسبة كبيرة من مياهه لغرض ملء السد، ما أثر سلباً على البساتين والموسم الزراعي.

العراق مهدد بالجفاف
ربما سنشهد، خلال السنوات المقبلة، جفافاً في نهري دجلة والفرات، بحيث يمكننا عبورهما سيراً على الأقدام، ما لم تتخذ الحكومة إجراءات مع دول المنبع من خلال القنوات الدبلوماسية من جهة، واتباع الطرق العلمية الحديثة في خزن المياه وإنشاء السدود والبحيرات، بالإضافة الى اتباع طرق الزراعة الحديثة.
مشكلة كبيرة
وحسب المتحدث الرسمي باسم وزارة الزراعة حميد النايف الذي أكد أن “سد أليسو في تركيا أثر سلباً على القطاع الزراعي بشكل كامل، كما أن هناك مشكلة كبيرة نعاني منها اليوم، هي أنه لا يوجد تفاوض بين العراق وتركيا، ما أدى إلى عدم حصول العراق على مستحقاته المائية، وبالتالي فإن هذا أثر سلباً على الخطة الزراعية لهذا العام بتقليصها الى 50 بالمئة.”
وأضاف أن “هناك عشرات السدود التركية بالإضافة الى سد أليسو، وهي لغرض حجز المياه وتنظيمها، لكن لو جرى ضخ كميات كبيرة من المياه الى العراق، فهي ستذهب إلى الخليج وذلك لعدم وجود خزانات مائية، إذ لا توجد لدينا بحيرات أو سدود بين المحافظات، أو أماكن، لخزن وترشيد المياه، هذا هو الوضع الحقيقي في العراق، وهذه مشكلة كبيرة نعاني منها.”
قد يكون كلام النايف إنذاراً إلى وزارة الموارد المائية والحكومة بأنها، إذا لم تتخذ اجراءات عاجلة، سواء على المستوى الدبلوماسي او العملي من ناحية خزانات المياه، فإن العراق سيخسر أراضيه الزراعية المعتمدة على الري، وستصيب البلاد كارثة اقتصادية كبيرة لا يمكن معالجتها، ولاسيما اذا ما علمنا أن نسبة كبيرة من سكان العراق تعتمد في معيشتها على الزراعة.

مبالغ هائلة
يدفع العراق مبالغ هائلة لاستيراد المواد الغذائية من دول الجوار، يمكن أن تستثمر لتطوير هذا القطاع الحيوي، والواقع أن التذرع بنقص المياه، والشكوى المتواصلة من هذه الدول التي كلما نشجعها على المضي في سياساتها معنا، كلما استمر العراق باستيراد بضائعه منها.
إن الحكومة والفلاح كلاهما ملزم بالعمل الجاد لاستثمار الأراضي الزراعية بأقل هدر للمياه، ووضع خطة ستراتيجية تعيد للعراق مكانته التي خسرها بسبب جملة من العوامل المتداخلة ما بين السياسي والاقتصادي.