ثائر المدني.. مؤسسةٌ خيريةٌ في رجل

155

آية منصور /

مذ كان صغيراً، حَلُم ثائر بمساعدة الفقراء، راقبهم وحمل همومهم على أكتاف قلبه، انتظر حتى كبر قليلاً ليبدأ معهم رحلة التعاون والدعم، لم يتركهم وحيدين، فتطوع لبناء بيوت للمتعفّفين والأيتام، وهنا يروي حكاية سنوات من العمل الإنساني.
بداية الحكاية
بدأ ثائر عمله الإنساني عام ٢٠١٣، ألهمه ما مرّ به في حياته فكرة التطوع لمساعدة المحتاجين. حينما كان صغيراً، كان وضع عائلته المادي صعباً للغاية، لذا فقد عمل مع إخوته في مهن مختلفة، منها غسل السيارات، لمساعدة والدهم في تحمل أعباء المعيشة.
يقول ثائر: كان البرد قارساً، وكنت أحياناً أتجمد وأتعذب من أجل لقمة العيش، كنت أحلم بالذهاب إلى مدينة الألعاب، وأتمنى لو أني أستطيع شراء اللُعب الخاصة بالصغار. ويوضح ثائر أن والدته كانت شديدة التفاؤل والإيمان بتغير الحال، فحين كان يتحدث معها كانت تمدُه بالأمل: “سيتغير الحال.” يقول: أخبرت أمي يوماً بأني لو كان لدي مال لساعدتُ كل من لم تمنحه الحياة فرصة العيش الكريم.
بعد ٢٠٠٣ مارس ثائر العمل في مختلف المهن الصعبة لإعانة عائلته، في الأسواق والمحال التجارية والصناعية أيضاً، وقد تمكن من جمع بعض المال لتكوين ذاته والاستقرار، وهو يرى أن أول وأكثر ما يحتاجه المرء في حياته هو (المنزل). وحالما امتلكت عائلته منزلاً صار أسعد البشر على الأرض، تخيل لو أن الجميع يمتلكون منازل تؤويهم، فكم ستكون الحياة جميلة حينها؟
“عملت في مذخر للأدوية لأكثر من ١٤ ساعة في اليوم، عملت أيضاً مساعد صيدلاني في الساعات المتبقية من نهاري، لم أكن أحلم بشيء سوى الاستقرار المادي والنفسي، ثم قلت لنفسي: حان الوقت لمساعدة الآخرين، فمن يساعد نفسه وعائلته، قادرٌ على مساعدة الآخرين.”
توفير الدواء كان البداية
بدأ ثائر رحلته التطوعية من أشياء بسيطة، كتوفير العلاج والأدوية للمحتاجين، وذلك نظراً لخبرته في هذا المجال، فكان يتكفل بتوفير أدوية أبناء المنطقة من المتعففين مجاناً، يواصل حديثه:
“تذكرت سعادتي بالمنزل، وفكرت: لم لا أحاول توفير سكن لهم! الأمر بالغ الصعوبة في العراق، نعم، لكن بالإرادة لا مستحيل، فكنت في بادئ الأمر أساعد في طلاء المنازل مجاناً، أشتري المعدات وأصبغ، أو أرمم الأجزاء المتهرئة من سقوف المنازل، أو أصلح النوافذ، أو أوفر ما ينقصهم من المواد الكهربائية”.
بناء منزل في العراق؟
تطورت الفكرة في عقل ثائر تلقائياً، وكانت ملامح الناس السعيدة تمنحه الحافز للاستمرار حتى عام ٢٠١٧، فحين كان يعمل وحده، احتاج إلى بعض المتطوعين في مدينته النجف، بدأ مع أبناء الجيران، يقول إن البداية كانت صعبة أن اطلب من الناس التطوع للمساعدة، حتى في الأمور البسيطة، كتنظيف الشوارع وتشجير المناطق والأرصفة، لكن الوقت ساعده في دخول عشرات الأشخاص معه في هذه الرحلة النبيلة، يضيف:
-بدأت تنفيذ فكرة بناء منازل كاملة للفقراء بجهود ذاتية طوعية، وذلك بأن أطلب في مواقع التواصل الاجتماعي التبرع باحتياجات البناء ومواده، المدهش أن عملية بناء بيت كامل كانت تحدث بسهولة تامة غير متوقعة، إذ يتبرع بعض الأشخاص بالأرض، وبعضهم بمواد البناء، وآخرون بالصبغ، ونحن بالبناء، وهكذا.
أم وثلاث صغيرات
كانت الحادثة التي جعلت ثائر يقرر جدياً العمل على بناء منازل للمحتاجين، عندما قطع صاحب مولدة كهربائية الكهرباء عن عائلة، حاول ثائر معرفتهم، فوجد أن الأسرة مكونة من أم وثلاث يتيمات، يعشن جميعهن في بيت من الصفيح من غرفة واحدة، تبدو كأنها مطبخ، استطاعت تلك الأم تأجيره لأن ثمن إيجاره زهيد. يكمل ثائر القصة بالقول:
-يومها، تحدثت مع جميع من أعرفهم للتبرع بشراء قطعة أرض صغيرة، وتبرعات أخرى لمواد البناء، استطعت في غضون شهرين بناء منزل كامل وتأثيثه من التبرعات ومن جهود الناس الخيرين، ثم توجهت إلى السيدة وأخبرتها أنني وجدت منزلاً أفضل لها بإيجار مناسب، بالطبع لم أخبرها في البداية أن المنزل ملك لها، حتى رأته وأخبرتها الحقيقة، فأغمي عليها لشدة الفرحة والصدمة!
خمسة منازل في الشهر
كان ثائر يبني مع فريقه المتطوع بيتاً كل شهر، ثم أصبح مع مرور الوقت قادراً على بناء خمسة منازل في الشهر الواحد، وذلك بجهود المتبرعين بالأموال أو مواد البناء من أهالي الأحياء والمناطق السكنية، المدهش في ذلك أن المتطوعين يتناوبون على العمل بطريقة خلاقة، منذ السابعة صباحاً حتى الثانية ليلاً، يضيف:
-كنت أطلب من المواطنين جمع التبرعات فيما بينهم، لم يقصر أحد معنا، لاسيما ونحن نعرض الحالات الإنسانية المحتاجة، بعض العائلات كانت تعيش في بيوت من صفيح رغم قسوة أجواء الشتاء القارس والصيف الحار في العراق، ومن مناطق وأحياء مختلفة حتى استطعت اليوم، وبعد ٤ سنوات، بناء ٢٠٠ منزل بالكامل، من الصفر وحتى تسليم المفاتيح.
تزويج الشباب
يؤكد ثائر أن جميع إجراءات البناء قانونية، وتتم أيضاً بتعاون البلديات المختلفة، عرفاناً بجهود ثائر وفريقه، كما أن جميع العائلات كانت تتسابق لإمدادهم بالطعام والشراب بنحو مستمر، كان كل شيء مجانياً حسب قوله. يكمل:
-بدأت حملة ثانية، وهي تزويج الشباب غير المتمكنين من الزواج من جراء صعوبة الظروف المادية، بعضهم يعمل في أكثر من وظيفة، لكنه غير قادر على توفير المال للزواج، أنا شخصياً تعبت كثيراً حتى تمكنت من الزواج بالمرأة التي أحبها، لذا فكرت بجميع الشباب الذين يريدون الإقدام على هذه الخطوة ولا يستطيعون.
دور ثائر الأبوي مع الجميع مكنه من مساعدة كثير من الشباب على الزواج، وذلك بتجهيزهم بجميع المستلزمات، بدءاً بالمهر، وغرف النوم، والثياب، كما أن دعم المتبرعين كان، حسب قول ثائر، مشجعاً للاستمرار. يستمر بالحديث لـ”مجلة الشبكة” قائلاً:
-استطعنا تزويج أكثر من ١٥٠ شاباً، ووفرنا العمل للغالبية منهم بأجور جيدة تناسب متطلبات الحياة الجديدة، كما نساهم باستمرار في رعاية الأطفال وتوفير مستلزماتهم المدرسية وثيابهم. لا أريد شيئاً سوى أن أستمر في عملي حتى يأتي اليوم الذي أتمكن فيه من مساعدة الجميع والتأكيد على توفير السكن لكل محتاج.