دكاكين تبيع منتج (التأمين)! انخفاض حجم التأمين ينعكس على واقع شركاته

56

بغداد / مصطفى الهاشمي/

يعد قطاع التأمين من أبرز ركائز الاقتصاد الثلاث، الى جانب كل من الأوراق المالية والاستثمار. لكن واقع شركات التأمين في العراق يختلف كثيراً عنه في بقية الدول، إذ تعمل في السوق 3 شركات حكومية (إعادة التأمين، والتأمين الوطنية، والتأمين العراقية)، الى جانب أكثر من 40 شركة تأمين خاصة، وهو ما لا تتحمله السوق- بحسب مختص في شؤون التأمين-
المواطن لم يهضم لحد الآن ثقافة التأمين، ولهذا فإن الحجم الكلي لأقساط التأمين المكتتبة صغير جداً بالمقارنة مع أسواق التأمين العربية.
يقول المختص في شؤون التأمين (مصباح كمال) إن “وجود هذا العدد الكبير من شركات التأمين الخاصة، في ظل المستوى المنخفض للطلب الفعّال على حماية التأمين، يشكل عبئاً على كفاءة السوق.”
المضاربة في الأسعار
يؤكد كمال في حديثه مع “الشبكة العراقية” إن “النتيجة المترتبة على وجودها بهذه الكثرة هي اشتداد حدة المنافسة بينها للحصول على بعض الأعمال، وذلك من خلال المضاربة في أسعار التأمين مع عدم مراعاة القواعد الاكتتابية المعهودة.”
ويرى أن “الافتقار الى فهم التأمين يشهد عليه الوضع الحالي لقطاعي التأمين، العام والخاص، فهناك ما يقرب من أربعين شركة تأمين عاملة لم تستطع، بمجموعها، إنتاج مليار دولار من أقساط التأمين خلال السنة، (علماً أن أقساط التأمين في دولة الإمارات العربية المتحدة مثلاً تتجاوز 10 مليارات دولار)، وأن هذا الوضع المتدني للقطاع في العراق يثير التساؤل.”
شركات أم دكاكين؟
كذلك يشير المختص الى أن “هناك ما يقرب من 40 شركة تأمين في العراق، معظمها تفتقر الى الموارد المالية والفنية الكافية فهي، كما يصفها بعض العاملين في القطاع، ليست إلا (دكاكين) لبيع المنتج التأميني لعدد محدود من طالبي التأمين.” مؤكداً أن “بعضهم الآخر يشكك في مصادر تمويل رأسمالها، وحتى الغرض من تأسيسها، إذ أنها قد تكون واجهات لغسل الأموال، وهذه تهم كبيرة.”
ويدعو كمال ديوان التأمين التابع لوزارة المالية الى “التحقق من هوية مؤسسي شركات التأمين الخاصة، ومصادر رأسمالها، وكفاية مؤهلات مجلس إدارتها، وكفاية مؤهلات الطاقم الفني للعاملين فيها، في حال وجود مثل هذا الطاقم.”
اندماج الشركات الحكومية
وعن رأيه باندماج شركتي التأمين الوطنية والعراقية، وتكليف شركة (آرنست أند يونغ) رسمياً بدراسة الموضوع، يقول كمال: “من غرائب التعامل مع قطاع التأمين، منذ العام 2003، هو إهمال العلل الأساسية للقطاع والتركيز على قضايا جانبية، في ظل الوضع القائم للقطاع، كدمج الشركات العامة.”
ويضيف: “قد تكون عملية الاندماج إرضاءً لتوجيهات وتوصيات المؤسسات المالية الدولية، لكن الأجدى الاهتمام بمعالجة العلل التي تعاني منها شركات التأمين الخاصة، فالشركتان (التأمين الوطنية والتأمين العراقية) قد تكونان آخر هموم سوق التأمين العراقية.”
يتابع كمال: “في الأسواق العالمية، التي تشهد منافسة قوية بين الشركات، يلاحظ أن الدافع وراء الاندماج قد يكون الحدّ من المنافسة، وربما إخراج المنافسين، ولاسيما الصغار، أو تحقيق تكامل في عرض المنتجات، أو الحفاظ على حصة الأعمال في السوق وإبقاء هامش الربح عالياً لصالح رأس المال، أو غيرها من الأسباب.”
وتساءل كمال “هل أن مشروع الدمج هو الآلية التي تعمل وزارة المالية على تحقيقه تماشياً مع مروجي سياسة التجارة الحرة في الداخل والخارج، وإزالة العوائق التجارية والقانونية أمام الشركات متعددة الجنسية لدخول سوق التأمين العراقي، والتمهيد لانضمام العراق إلى منظمة التجارة الدولية مع النمو (المرتقب) للاقتصاد العراقي؟”
داعياً الى “إعادة النظر بقانون تنظيم أعمال التأمين رقم 10 لسنة 2005 الذي وفَّر الغطاء القانوني لتجاوز شركات التأمين العراقية المرخصة من قبل ديوان التأمين، بعدم التأمين لديها واللجوء إلى التأمين خارج العراق.”
كان من الضروري الاهتمام بدمج شركات التأمين الصغيرة الخاصة (كما تعمل دولتان عربيتان) بدلاً عن تكليف شركة استشارية أجنبية لدراسة دمج شركتي التأمين الوطنية (1950) والتأمين العراقية (1959) العامتين. إن من المحزن إهمال الكفاءات العراقية المحلية، لأن ذلك يعد استهانة بالجهد الوطني، وتأسيساً للتبعية الاقتصادية للخارج، والهرولة نحوه لشراء الخدمات الاحترافية، لا لتطوير قطاع التأمين العراقي برمته، بل لدراسة موضوع دمج شركتي تأمين عامتين يمتد تاريخهما الى أكثر من نصف قرن.
خطوات تنشيط التأمين
عن أبرز الخطوات لتنشيط هذا القطاع، ولاسيما الحكومي منه، يقول كمال: “في اعتقادي ليس هناك ما يحول دون ترويج منتجات التأمين عبر وسائل الإعلام المختلفة؛ فهذه مسألة تعود الى إدارات شركات التأمين العامة والخاصة، وأن المطلوب خطة عمل سنوية توضع وفق معايير تحليل اتجاهات الطلب على التأمين، وما هو متوقع من آثار السياسات الحكومية على إيجاد طلب جديد لمنتجات تأمينية معينة.”
ولفت كمال إلى أن “قانون تنظيم أعمال التأمين رقم 10 لسنة 2005 لم يخضع للتعديل حتى الآن على الرغم من الانتقادات العديدة الموجهة له من العاملين في القطاع ومن الباحثين، الى جانب عدم إدراك حقيقي لعمل شركات التأمين المتمثل بتعويض المتضررين في أموالهم وأبدانهم. كما يمكن تطوير الملاكات المهنية، والتخلص من العمالة الزائدة، وتحسين المستوى المعرفي لدى العاملين، لكن ذلك وغيره لن يؤدي مباشرة إلى إنعاش قطاع التأمين، ما لم يكن هناك طلب حقيقي فعال مدعم بالقدرة النقدية على الشراء.”