كاميران كمال أضاء وحشة سنجار بنور المعرفة

68

آية منصور /

من أحد أزقة حي بربروش السكني التابع لقضاء سنجار ينطلق الشاب كاميران، ليؤسس لسنجار أول مكتبة بعد عام ٢٠٠٣. نازح، شهِد ويلات الحروب وأوجاعها، خسر منزله وذكرياته وعاش متنقلاً بين المخيمات، لكنه لم يتمكن من ترك الكتب لحظة واحدة، حتى أصبحت جزءاً من حياته.
كاميران، الذي يبلغ من العمر ٢٥ سنة، ترعرع مع الكتب وحب القراءة، يحدثنا أنه كان يحلم بإكمال دراسته، لكن الحلم لم يكتمل:
– رغم الظروف المأساوية كنت شغوفاً بقراءة الكتب ويزداد إعجابي بها أكثر فأكثر، تخرجت في إعدادية سنجار لكني لم ألتحق بجامعة الموصل رغم قبولي فيها بسبب الظروف المادية التي كانت تعيشها عائلتي والخوف من الإرهاب.
حلم الكتاب والتهجير
بعد تخرجه في الإعدادية بأشهر، هاجم داعش مدينته، فهرب الناجون من أهله وأقربائه وجيرانه حفاة نحو العدم والمجهول، لم تأخذ عائلة كاميران أي شيء سوى الملابس التي يرتدونها، نزحوا باتجاه اقليم كردستان مشياً على الأقدام أياماً طوالاً، وجدوا أنفسهم قرب حدود سوريا، في مخيم للنازحين، يقول كاميران:
– الظروف المعيشية والحياتية داخل المخيمات مأساوية جداً ولا يمكن أن أصف شعوري داخلها، إذ مهما كانت حياتك جحيمية، ستشكر ربك أنك تتنفس الحياة خارج أسوار هذا السجن الذي يسمى المخيم، حرارة الصيف وبرودة الشتاء القاسي وقهر العوائل، وبكاء الأطفال وبؤس المواطنين، كل ذلك جعلني أفكر بفعل أي شيء لأنقذ نفسي.
لجأ كاميران إلى القراءة مجدداً، فالكتب كانت هي المنقذ له فعلاً، كان يريد التخلص من جحيم المخيم بقراءة الكتب فقط، ازداد عدد ساعات القراءة يوماً بعد آخر، يضيف بالقول: – كنت في بعض الأحيان أنسخ الكتب التي أحمّلها من الإنترنيت، ذلك أن عينيّ صارتا تؤلمانني بشدة بسبب الكتب الإلكترونية، ثم حاولت توسيع دائرة معارفي في مواقع التواصل الاجتماعي وأطلقت عبرها مبادرة لجمع الكتب.
الفكرة تبدأ بكتاب
بعد حرق جميع كتبه في سنجار، جمع كاميران ما يعادل ١٠٠ كتاب مستعمل، إذ وصلت إليه الكتب من تبرعات الأصدقاء في الفيسبوك، وأصبحت خيمته بمثابة مكتبة صغيرة جعلها مخصصة للاستعارة المجانية داخل المخيم والمخيمات المجاورة، وكان يشرح هذه الكتب على نحو مستمر للقراء في المخيم، يضيف كاميران:
– ازداد عدد القراء والمهتمين بالكتب، وكبر معها الحلم، إذ أصبح الإقبال على الكتب خيالياً بين سكان المخيم والمخيمات الأخرى القريبة، والكتب أصبحت حديث الشباب في اللقاءات العامة والخاصة في المخيم.
هنا بدأ خطوته التالية، ولاسيما بعد تحرير سنجار التي لم تعد كما كانت، بل باتت مدينة أشباح تحوم حولها ذكريات الأسى والتهجير. يؤكد كاميران أن كل شيء كان قد شارف على النهاية في مدينته: الإنسان، والثقة، والتعايش السلمي، والبنى التحتية، فترك عمله مع أهله في كردستان، حيث كان يعمل فلاحاً في أحد بساتين الطماطم والخضراوات، وانطلق نحو سنجار وحده، يقول: – سكنت وحدي في منزل عائلتي قرابة السنة، كان نصفه مهدماً، نظفته من بقايا داعش، وعشت داخل الجزء المبني فيه، إذ كانت المدينة تمر بوضع سيئ، والناس يحاولون إعادة الحياة اليها بأية طريقة.
جمع التبرعات للبناء
عندما اختار كاميران الكتب، كان يقول: بناء الإنسان قبل المكان، وهكذا قدّم فكرته في إنشاء مكتبة إلى منظمات المجتمع المدني التي تدعم الثقافة والإنسانية في سنجار من أجل دعمها، لكن للأسف، خيبت هذه المنظمات ظن كاميران، فجميعهم رفضوا مد يد العون إليه، يواصل حديثه:
– لكنني لم أتخلَّ عن الفكرة، وبعد معاناة طويلة، فتح مشروع (سبوت لايت العراقي) بابه أمامي ودعم مشروعي بمبلغ بسيط لكنه غير كافٍ.
فاتح كاميران الجهات المعنية، ومنها بلدية سنجار، من أجل إنشاء مكتبة في المدينة المنكوبة، ولم يحصل على التشجيع الكافي، لكنه كان مصراً بشدة، حتى تمكن، بعد شهرين من الإلحاح والمحاولات، من الحصول على قطعة أرض في حديقة عامة ليتمكن من بناء المكتبة:
– أطلقت مبادرة لجمع الكتب والتبرعات لبناء المكتبة في سنجار، أهلي العراقيون رحبوا بالموضوع ووقفوا بجانبي بكل فئاتهم ومن المحافظات كافة، استطعنا بتبرعات الخيرين بناء المكتبة داخل الحديقة وتزيينها بديكور لا بأس به في الوقت الحاضر وتجهيزها بالكتب.
أورشينا.. أرض السلام
مكتبة أورشينا، هكذا أسماها وتعني (ارض السلام) باللغة السريانية، تضم اليوم نحو خمسة آلاف كتاب في فروع العلم والثقافة كافة، وبثلاث لغات هي العربية والكردية والإنكليزية، وتعمل بنظامين؛ الاستعارة المجانية ونظام البيع، كما ينظم كاميران اليوم كثيراً من النشاطات الثقافية المعنية بالقراءة لتوعية المجتمع وتدريب الأطفال على كتابة القصص وتعليمهم زيارة المكتبات، فضلاً عن عمل ورشات تدريبية للشباب، ومعارض للكتب، والسعي لبناء رصيف ثقافي في المدينة. يكمل قائلاً:
– أورشينا تعدّ أول مكتبة في سنجار، والمكتبة الوحيدة في القضاء بعد التحرير، وهي متنفس مهم للأهالي العائدين إلى المدينة والقرى المجاورة.
سنجار تستحق القراءة
اختار كاميران هذا المشروع من أجل إعادة الثقة بين المكونات في سنجار بعد دخول داعش إليها، ونشر التعايش السلمي والثقافة والوعي، يوضح في حديثه لمجلة “الشبكة”:
-لا أريد شيئاً سوى أن ينتشر السلام في مدينتي بالثقافة والكتاب، قد أنجح وقد أفشل لكني حاولت بكل طاقتي وتطوعت من أجل هذا، لا أريد منهم شراء كتاب، أريد من مجتمع سنجار أن يعود إلى عالم القراءة.