120 مليار دولار لم تحل طلاسم أزمة الكهرباء!

175

إيفان الخفاجي /

تتداخل عوامل خارجية مع أخرى داخلية في تعميق أزمة الكهرباء، لتشكل في تشابكها طلاسم تعمق غموضها قوى محلية ترتبط مصالحها مع مصالح دول خارجية على حساب مصلحة العراق. فقد استورد العراق، أثناء تولي حسين الشهرستاني حقيبة الكهرباء، محطات توليد تعمل بالغاز، مع علم الوزير أن استخدام الغاز العراقي المصاحب لاستخراج النفط يحتاج الى سنوات من أجل العمل على توظيفه في عمل محطات كهذه، ما يعني ضرورة استيراد الغاز من الخارج، الأمر الذي ربط عمل تلك المحطات بمقدار ما يحصل عليه العراق من غاز يستورده ويرهق الميزانية العراقية

فضلاً عن تعثر توريد كمياته في أوقات الذروة، ما يؤثر كثيراً على كميات الطاقة المولدة ويخلق أزمات خانقة للمواطنين، ولاسيما في موسم الصيف القائظ، وينسحب ذات الأمر، بمنسوب أقل، فيما يتعلق بتجهيز الطاقة من تركيا أو الأردن.
وبُعيد الاتفاقيات التي أُبرمتها الحكومة العراقية مع شركتي سيمنز الألمانية وجنرال إلكتريك الأميركية عامي 2018-2019 لإعادة تأهيل شبكات الكهرباء في العراق وتطوير قطاع الطاقة، تعرض العراق الى حملات ضغط دبلوماسية دولية من أجل ترجيح كفة الشركة الأميركية على الألمانية أو الشركات الصينية، مع علم الولايات المتحدة الأميركية بمدى تعثر شركة جنرال الكتريك بملف الكهرباء في العراق طيلة السنوات التي أعقبت التغيير عام 2003.
ترامب يغني على ليلاه
في تشرين الثاني 2018، قالت وكالة “بلومبرغ” إن إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب ضغطت على الحكومة العراقية من أجل تفضيل شركة جنرال إلكتريك الأميركية على شركة سيمنز الألمانية بعد توقيعها اتفاقاً مع الأخيرة بـ خمسة عشر مليار دولار. ويؤكد جو كايزر، الرئيس التنفيذي السابق لشركة سيمنز، إن”الرئيس الأميركي دونالد ترامب مارس ضغوطاً كبيرة على العراقيين لمنح شركة جنرال إلكتريك الأميركية صفقة تطوير قطاع الكهرباء في العراق”.
وتصف مريم سلمان، مستشارة (شركة قمر للطاقة) في دبي، أزمة الكهرباء في العراق بمجموعة ألغاز يصعب حلها. وتؤكد أنه “لا يمكن التخلص من اللوبي السياسي وإنهاء طرق السرقة والخداع وسوء الإدارة والهدر المالي في قطاع الكهرباء دون تنفيذ إطار تنظيمي قوي لدفع وتيرة الإصلاح، ومن ناحية أخرى لا يمكن البدء في هذه الأمور دون القضاء على الفساد”.
حلول ترقيعية
مؤخراً، لجأت الحكومة العراقية الى حلول وصفت بـ “الترقيعية” تمثلت بالربط الكهربائي مع كل من السعودية ومصر في محاولة منها لامتصاص نقمة الشارع العراقي التي تتفجر مع بوادر قدوم أشهر الصيف التي تلامس درجات الحرارة فيها الخمسين درجة مئوية، التي تصبح جحيماً في ظل الانقطاع المستمر لمنظومة الكهرباء الوطنية.
استفحلت أزمة الكهرباء وتفاقمت منذ احتلال العراق من قبل القوات الأميركية في نيسان 2003. ورغم تعاقب الحكومات العراقية منذ ذلك الحين ولغاية اليوم، بقيت أزمة الكهرباء جاثمة على صدر العراق لأسباب كثيرة، كالفساد المالي والإداري المستشري في البلاد، وضعف الإدارات التي توالت على ملف الكهرباء، ونشوء مافيات متخصصة بالمولدات الأهلية التي تجهز العراقيين بالطاقة وقت انحسارها في الخط الوطني الناقل للطاقة الكهربائية، إضافة الى إرادات إقليمية ودولية تعرقل أي تقدم أو حل لأزمة الكهرباء لارتباطها بملفات مهمة مثل الصناعة والزراعة والأمن الوطني وغيرها الكثير.
غزارة الإنتاج وسوء التوزيع
يشير تقرير لوكالة الطاقة الدولية صدر منتصف عام 2019 الى أن قدرة العراق الإنتاجية من الطاقة الكهربائية تبلغ نحو 32 ألف ميغاواط، لكنه غير قادر على توليد سوى نصف هذه الإنتاجية بسبب شبكات النقل غير الفعالة التي يمتلكها.
ويقول خبراء في الطاقة إن شبكة نقل الكهرباء في العراق فقدت ما بين 40 إلى 50 بالمئة من طاقتها، وهذه النسبة هي الفارق بين ما تنتجه من الكهرباء وما يتم توفيره عبر خطوط التوزيع من الطاقة الكهربائية. وتأتي هذه الخسارة بسبب سرقة خطوط الطاقة أو لأسباب فنية مثل تلف المعدات أو قدمها ما يؤدي الى ضعف أدائها.
ويعتبر هذا الفارق بين بين الإنتاج والتوزيع هو الأعلى في العالم وفقاً للمعايير الدولية التي تحدد قرابة 8 بالمئة كفرق بينهما، في حين أن الفارق في ألمانيا، على سبيل المثال، لا يتجاوز 4 بالمئة. ويؤكد الخبراء الدوليون على أن وقف هذه الخسارة يعد أمراً حاسماً لأنه في ظل ذلك، فلا فائدة من زيادة توليد الكهرباء.
مليارات ضائعة
تتفاوت أرقام المبالغ التي صرفت على الكهرباء خلال السنوات التسع عشرة الماضية دون أن تحقق الحد الأدنى من توفير الطاقة الكهربائية، بل يبدو الأمر أقرب الى الكوميديا السوداء، إذ كلما تتورم أرقام المبالغ المهدورة على الكهرباء تتناقص ساعات التجهيز اليومية للمواطنين، وتدفعهم أكثر باتجاه اللجوء الى المولدات الأهلية التي تمتص مدخولاتهم من أجل تجهيزهم بما يعادل الكفاف من الطاقة التي لا تتجاوز تشغيل المصابيح ومبردات الهواء الصحراوية لمواجهة قيظ الصيف، بينما لا تستطيع التعامل مع شمعة واحدة من المدافئ الكهربائية في برد الشتاء القارس.
وإذ تقدر لجنة النفط والطاقة في الدورة السابقة لمجلس النواب الأموال التي صرفت على وزارة الكهرباء منذ 2005 وحتى الان بأكثر من 62 مليار دولار من دون أي تحسن في ساعات التجهيز، وتؤكد “أن المخصصات التي صرفت على القطاع الكهربائي هي الأعلى مقارنة مع بقية الوزارات والمؤسسات العراقية”، وعدّت أن الفساد وسوء التخطيط في وزارة الكهرباء أوجدا لنا محطات توليد بعيدة عن مصادر الوقود، وبالتالي فشل إنتاجها.
غير أن الفضيحة المدوية في هذا الملف جاءت على لسان وزير المالية علي عبد الأمير علاوي الذي قال، في تصريح صحفي تابعته “الشبكة”: “إن عجز العراق عن توفير ما يكفي من الكهرباء لتلبية الطلب كلف البلاد ما يقرب من 120 مليار دولار على مدى السنوات السبع الماضية.” ويعني الفترة الممتدة من 2014 الى 2021.
مولدات.. ومافيات
ثمة خيط، لم يعد رفيعاً، يربط بين أزمة الكهرباء الوطنية ومافيات مرتبطة بتشغيل المولدات الأهلية المنتشرة في مختلف المناطق العراقية، التي يتحكم بها رجال أعمال وسياسيون متنفذون، ولا ينحصر أمر الفائدة المالية المتحققة من تلك المولدات في العوائد المالية التي تجنيها من المشتركين، وهي عوائد كبيرة تقدرها دراسة أجريت على القطاع ونشرت في تشرين الاول 2018 بما يقرب من أربعة مليارات دولار، بل إن الأمر الأهم في هذه القضية هو الحصص المقررة لهذه المولدات من النفط والكاز، إذ تعتبر المولدات الأهلية من أهم منافذ شراء مادتي النفط والكاز اللتين يتم تسريبهما من منافذ توزيعهما، أو الكميات التي تجري سرقتها بطرق وأساليب مختلفة من مختلف مصادر استخراجهما أو استيرادهما.
ويعتمد العراق بشكل كبير على المولدات الأهلية لتغطية جزء من التشغيل والاستهلاك اليومي للكهرباء، إذ لا توفر الشبكة الوطنية نصف ساعات التجهيز بالكهرباء في أحسن حالتها. وتمتلك شبكات سياسية وجهات متنفذة بعض تلك المولدات، التي تدر أرباحاً طائلة عبر الطرق آنفة الذكر.
وسط هذا التقاطع بين مصلحة المواطن والمصلحة الوطنية في توفير الكهرباء للصناعة والزراعة والأمن من جانب، ومصالح ومطامع مافيات المولدات الأهلية، يصبح توفير الطاقة الوطنية خطراً على مصالح تلك المافيات لأنه سيعرضهم إلى خسائر كبيرة جرّاء عدم التشغيل لوقت أطول، ما يعني هبوط العائدات، أو الاستغناء عن تلك البدائل بشكل نهائي.
ولمنع توفير الكهرباء الوطنية تلجأ تلك المافيات الى وسائل متعددة للحفاظ على مصالحها. ومن تلك الوسائل، حسب مراقبين، التنسيق مع دوائر الكهرباء لقطع التيار حتى في حال توفره، ولاسيما في الأيام الأولى من بداية كل شهر، من أجل إجبار المواطن على المضي في اشتراكه بتلك المولدات الأهلية ورضوخه لما تحدده من أسعار عالية كقيمة للأمبير الواحد من تجهيزه بالطاقة. أما الوسيلة الثانية، وهي الأكثر خطورة، فهي تنسيق تلك المافيات مع عصابات مسلحة لتخريب أبراج خطوط الضغط العالي للكهرباء، إذ تؤكد بيانات وزارة الكهرباء أن أكثر من 70 برجاً لخطوط الضغط العالي للكهرباء تعرضت للتخريب صيف العام الماضي، الأمر الذي وصفه الناطق باسم وزارة الكهرباء في مقابلة تليفزيونية إنه محاولة “لزعزعة استقرار البلاد ونشر الفوضى”.
التجربة المصرية
ويرى خبراء أن الحل الحقيقي هو باقتداء التجربة المصرية التي استطاعت، خلال عامين فقط، وبمساعدة شركة سيمنز الألمانية، تجاوز أزمة الكهرباء، بل وتصدير الفائض منها وبكلفة رمزية إذا ما قورنت بالمبالغ الفلكية التي أهدرها الفساد في العراق على ملف الطاقة.
ويستشهد الخبير الاقتصادي باسم أنطون بالمعايير العالمية لكلفة إنتاج الطاقة ويقول: “إن صرف مليار دولار يجب أن يمنحك القدرة على توليد ألف ميغاواط، لكن العراق صرف نحو 80 مليار دولار على ملف الكهرباء منذ عام 2003 ولم يتجاوز حجم الإنتاج 19 ألف ميغاواط”!
إنها كوميديا حقاً..
لكنها كوميديا سوداء